فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 1037

وسألتك هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالًا ينال منكم وتنالون منه ، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة .

وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر.

وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله ؟ فزعمت أن لا ، فقلت لو قال هذا القول أحد من قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله .

ثم قال: فبم يأمركم ؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.

قال: إن يكن ما تقول حقًا إنه لنبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أكن أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.

ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه: فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.

وهذا في غنى عن تعليق.

3)أن يكون الرجل معززا بالقوة المعنوية والمادية معا؛ لتقف بهما في وجوه كل مكابر معاند, يترصد لدعوته, ويروم قطع طريق الناس عنها, وتوفر إحدى هاتين القوتين مع تخلف الأخرى خلل وضعف.

وهذه النقطة يسيل لها لعاب البعض؛ لذا يحسن إماطة الغبش وإزاحة الغبار عنها.

فأقول: إن لله في كونه سننا لا تتبدل ولا تتخلف, ومنها أنه تعالى لحكمة بالغة قد جعل لكل شيء سببا وطريقا يؤتى إليه, فهو القادر على أن ينصر رسوله على كل من وقف لصد دعوته؛ دون أن يلجئه إلى الأسباب المادية أو المعنوية: ? ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ?

{ محمد:4} ولو كان الأمر كذلك لأخرجه عن العادة الجارية في الكون, وعن طبيعة البشرية, إلى الملكية, فيعتذر الناس بذلك عن الاقتداء به ونهج منهجه؛ لأنهم دون ذلك بمراحل.

لكنه القائل: ?إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي? {الكهف: 110}

وهو الذي قيل له ? ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ? {الفرقان: 7}

فيجيب: ? لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسول ? {الإسراء: 95} فإنه بشر وليس بملك, وأرسل إلى البشر لا إلى الملائكة.

ومن تلك السنن أن جعل لكل نبي عدوا من المجرمين: ?وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين? {الفرقان: 31} وهو عدو مجرم ينصب الصدود والعراقيل للحيلولة دون استجابة الناس لدعوته, فكان لزاما أن يأخذ بالأسباب المادية والمعنوية لتنحية هذا العدو وتأمين خطره, وإن أدى الأمر في بعض الأحيان - لا كلها - إلى إراقة الدماء, لأنها وإن كانت مفسدة من وجه, إلا أنها مفسدة اقتضى ارتكابها تحصيل مصلحة أكبر منها بكثير, وهي هداية الناس التي تحقق لهم الفلاح والسعادة وفي هذه وتلك.

ولا شك أن تحصيل مصلحة بارتكاب مفسدة دونها عقل وعدل, وكذلك درء مفسدة بتفويت مصلحة دونها عقل وعدل.

ولا يتوقف عاقل في قطع عضوه المتآكل إذا توقف عليه حياة وسلامة بقية الجسد, والقطع - وإن أراده القاطع - إلا أنه ليس مرادا لذاته, وإنما هو مراد لغيره, فلم يكن هناك أي تعارض بين هذا وهذا. القطع من حيث هو قطع ضرر, ولا بد منه لأنه الوسيلة, والقطع من حيث هو وقاية وسبب برء منفعة, وهي الغاية.

فإن من أقبح الجهل أن يقصر أحد نظره على لفظ:"قطع عضو"وكراهته إلى النفوس دون التعمق في نوعيته ونتائجه المترتبة عليه.

وكذلك الشدة في محل اللين حمق وخرق, واللين في محل الشدة ضعف وخور:

إذا قيل حلم قل فللحلم موضع

وحلم الفتى في غير موضع جهل

وأصور لك ذلك بالتمثيل (1) : فالأمم المتحدة مثلا, يقولون إنها هيئة سلمية تسعى لاستقرار السلام بين الأمم, ولذا يحق له التدخل في بعض القضايا الجارية بين الشعوب للحيلولة دون تفاقم الأمر, والسعي لإعادة الأمن, فرسالتها سلمية بحتة, ولا يجرأ أي منا مثلا على وصفها بالشدة أو الإرهاب أو نحو ذلك من الأوصاف التي تتناقض وأهدافها السلمية, ولكن هل معنى ذلك أنها لا تستعمل القوة بحال من الأحوال, وإن توقف عليه تحقيق أهدافها السلمية ؟

وهل لا يلومها العقلاء إذا توقف عن استعمال القوة لوقف عدوان المعتدي على شعب من الشعوب؛ إذا استلزم وقفه ذلك ؟

وهل الضرر الناتج من ردع هذا الجاني شيء يذكر في جانب الأضرار التي ستلحق الشعوب إذا لم يكن ثمة قوة عادلة وحيادية تمنع من الاعتداء عليها: ? ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العلمين ? {البقرة: 251}

فمن الحكمة إذًا أن يتصف من له مثل هذه الرسالة بالشمولية والاعتدال والتوازن, وليس أن ينحصر في ميدان ليغيب عن ميادين, أو يركز اهتمامه في قضية ويهمل قضايا أخرى.

فطبيعة رسالة محمد عليه الصلاة والسلام, والعقبات التي كانت تحول دون إبلاغها, كانت تقتضي منه هذه الشمولية مع التوازن والاعتدال في القوة والسلم أكثر.

يتبن لك ذلك أكثر إذا عرفت أصناف المناوئين لدعوته, فإنهم لا يخرجون عن رجلين:

إما جاهل لا يتصور فحوى دعوته تصورا صحيحا, وهو حال أكثر الناس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله؛ كما هو حال كثير من الغربيين الذين قد أحكمت القبضة عليهم القوى الإعلامية في الغرب, والتي لا تعرض دعوة النبي الكريم إلا مشوهة, ولا تعرِّف المسلمين إلا"إرهابيين",

وفي الوقت نفسه, تقطع عنهم كل مصدر خارج عن لعبتهم.

وهذه القوى وراءها أيدٍ خفية, وهي المتحكم في الرأي العام الغربي بالقلب والتصريف, ومن المؤسف أن لا يكاد ينفلت عنها مصدر معتبر عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت