فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 1037

وهذا الاحتكار لمصدرية المعلومات, مع الحصار الثقافي المعرفي, أكبر خطر يهدد الغرب بكليته؛ إذ تصورهم للعالم الخارجي ينبني على جهاز خاضع لأغراض وأهواء رجال.

وهذا الجاهل الذي نتحدث عنه جهله مركب, وهو بحاجة إلى دواءين ضروريين إن رام لمرضه برءا:

الدواء الأول: أن يعترف بجهله وسوء تصوره لهذه الدعوة, وليس أن يركب رأسه ليبقى على خطأه إذا كان منصفا مع نفسه, ومع الناس الذين يتفرع موقفه منهم عن هذا التصور الخاطئ. هذا الاعتراف هو الذي يفتح له الطريق إلى:

الدواء الثاني: أن يُصحَّح له خطأ تصوره هذا, ثم إن أراد الله به خيرا فتح صدره لاستجابة هذه الدعوة العظيمة. وأما إن صحب جهلُه بغضَ من دعا بهذه الدعوة, ومعاداته له وحسده, كان المانع من القبول أقوى, يتطلب دواء أقوى.

فإن انضاف إلى ذلك توهمه أن الحق الذي دعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته وأغراضه قوي المانع من القبول جدًا, وقد يحمله بعض ذلك أو كله على معاداة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربته.

وأحسن من يضرب مثلا لذلك هم النصارى, فإنهم لجهلهم أطبقوا على أن الإله الحق - سبحانه وتعالى عما يقولون - صلب وصفح وسمر ووضع الشوك على رأسه ودفن في التراب ، ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس على عرشه يدبر أمر السموات والأرض ، فلا يكثر عليهم إذًا أن يطبقوا على جحد دعوة من جاء لبيان غلط عقيدتهم هذه, وأنها كفر وضلال ؟

وكيف ينكر لأمة أطبقت على صلب معبودها وإلهها ثم عمدت إلى الصليب فعبدته وعظمته، وكان ينبغي لها أن تحرق كل صليب تقدر على إحراقه، وان تهينه غاية الإهانة إذ صلب عليه إلهها, أن تجحد حق عبده ورسوله وتكفر به ؟

وكيف يكثر على أمة قالت في رب الأرض والسموات: إنه هبط بذاته من السماء ، والتحم في بطن مريم ، فاخذ منها حجابًا ، وهو مخلوق من طريق الجسم ، وخالق من طريق النفس، وهو الذي خلق جسمه وخلق أمه، وأمه كانت قبله بالناسوت، وهو كان من قبلها باللاهوت ، وهو الإله التام ، والإنسان التام، ومن تمام رحمته تبارك وتعالى على عباده أنه رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب، فمكن أعداءه اليهود من نفسه ليتم سخطه عليهم، فأخذوه وصلبوه وصفعوه وبصقوا في وجهه, كيف يكثر على أمة كهذه أن تقول في عبده ورسوله إنه ساحر وكاذب وملك مسلط ونحو هذا ؟ (1)

الرجل الثاني: هو المكابر المعاند الذي قد اتضح عنده وجاهة هذه الدعوة وصدقها, وهو عابد لهواه والشيطان اللذين حالا دون قبوله الحق حيث ظهر. فهذا الرجل هو الذي يحارب ويعادي هذه الدعوة, وإن جر معه الرجل الأول؛ إلا أن ذاك جاهل مخدوع, وهو عالم مصدود, وما صده إلا عبادته لهواه والشيطان. الأمر الذي يفسر لك تفاني هذا الصنف في محاولة إطفاء نور دعوة

النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

وأحسن مثال لهذا, عداوة اليهود لهذه الدعوة منذ بدايتها, فإنهم كانوا على علم بأنها حق؛ لأنهم قد أخبروا بأمرها وأمر صاحبها حتى كانوا منهما على بصيرة, إلا أنهم كانوا يتمنون أن يخرج منهم لا العرب؛ كما قد تعودوه, إلا أن القدر الإلهي جانب أمنيتهم, فكان أن خرج ذلك الداعي من غيرهم, فأخذهم الكبر والحسد عن تصديقه وطاعته, و منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا, ما زالت عداوته تحرق قلوبهم, وهم يستعملون كل ما يمكنهم من وسيلة لدفع الناس إلى أن يقفوا منه موقفهم.

واعلم أن الحسد من أكبر أسباب رد الحق والصد عنه، فانه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه وأوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه.

وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد ؟!

فإنه لما رآه قد فضل عليه ورفع, غص بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.

وهذا الداء بالذات, هو الذي منع اليهود أيضا من الإيمان بعيسى ابن مريم, وقد علموا علمًا لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى, فحملهم الحسد على أن يختاروا الكفر على الإيمان وأطبقوا عليه.

هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة يخالفهم ولم يقاتلهم، وإنما أتى بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفًا ورحمة وإحسانا ، وجاء مكملًا لشريعة التوراة، ومع هذا اختاروا كلهم الكفر على الإيمان ، فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع ، مبكتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم ويعلو هو وأصحابه, وهم معه دائمًا في سفال، فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم؟

وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى ؟ (1)

وكل من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن استعماله للقوة ليس لإكراه الناس على دينه قط: ? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ? {البقرة:256}

وأنه إنما قاتل من قاتله وأما من هادنه فلم يقاتله مادام مقيما على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له: ? فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ? {التوبة: 7}

ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم ، فلما حاربوه ونقضوا عهده - كعادتهم - وبدؤوه بالقتال قاتلهم لتأمين خطرهم.

وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدأوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاءوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم.

وإذا دققنا النظر في التوجيهات التي كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يمليها على جنوده, والغايات التي كانت نصب عينيه, أيقنا بأن المثل العليا والرغبة في هداية الناس كانت تمثل الروح المهيمنة على دعوته وجهاده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت