فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 1037

وحالة الفقر المدقع التي يعيشها القارة الإفريقية أقرب دليل للتيقن من أن هؤلاء الغربيين لا إنسانية عندهم, ولا رحمة في قلوبهم.

لأنهم هم الذين احتلوا هذه القارة, واستعبدوا أهلها, ثم غصبوا, واستنفدوا جل أو كل خيراتها, ثم قطعوها إلى دويلات متناحرة على حدودها, ثم لما منحوهم الاستقلال المزعوم, سلموا السلطات في كثير من دولها لأناس لا يتأهلون لذلك, ونحَّوا المؤهلين حتى لا ينقطع كبلهم عن الأعناق, وحتى لا يستفيد القارة من خيراتها لتتقدم وتتطور.

جرهم ذلك إلى اغتيال العديد من ذوي الشخصيات البارزة في أفريقيا, أو تحريض الناس ضدهم بالتهم وتشويه السمعة. ومنذ ذلك الوقت أحكموا القبض على هذه القارة الفقيرة؛ حتى تظل أبد الدهر تحت أقدامهم.

وما من شر يوجد في هذه القارة إلا وهم السبب المباشر أو غير المباشر فيه, وكل ما يقولون ويولولون على فقر وسوء أحوال هذه القارة, فإنما هو سب وشتم قبيحان لهم ولتاريخهم.

والنفاق كل النفاق أن تراهم اليوم يتظاهرون بالرحمة والإنسانية تجاه الأفارقة, وكأنهم نسوا ما حدث بالليل.

والإنسان الذي هو إنسان إذا اطلع على حقيق الكارثة التي حدثت في رواندا (Rouanda)

وبروندي (Burundi) , وهو يعرف مدى مسئولية هؤلاء الغربيين فيها؛

ليتسائل ويقول: أ لهم قلوب ؟!!

أتدري أنهم لما احمرت الحرب العالمية الثانية (1) , وأحاط بهم الألمان من كل جانب, لجئوا إلى أفريقيا, وطلبوا منها الغوث, والإمداد البشري. فأخذوا 80.000 من أبنائها؛ لتضحيتهم وجعلهم في المقدمة, والأماكن الخطرة, وقتل منهم الآلاف؛ حتى يعود لهم حريتهم واستقلالهم.

ثم ما تتوقع أن قابل الغربيون بتضحية هؤلاء الذين أهرقوا دماءهم في ساحة القتال وقدموا نحورهم دونهم ؟

إياك أسأل! ما عساك أن يكون جزاء هؤلاء الذين عرفوا ب ( Tirailleurs Senegalais ) ؟

دع التاريخ يجيب عن سؤالك المحرج: قتل منهم من لا يحصون كثرة, ودفنوا هنالك في

ثم رجعوا بمن بقي منهم, والجرحى فيهم كثير -نفسيا أو حسيا-, وقد ملأهم الغضب والأسف؛ جاهلين أن نهاية مطافهم أمر وأمر!

وهو أنهم بعد كل ما حصل منهم, كانوا يتوقعون أن يكون جزاء الإحسان هو الإحسان, لكن لما مدوا أيديهم ليسألوا حقهم وجزاء تضحيتهم, رجع عليهم السلاح الذي كان بالأمس يصوب معهم نفس الهدف؛ ليقتل منهم الكثير, ولما رأوا أهاليهم بعد!!!

وهم يحاولون تبرير هذا الغدر المنتن بأنهم تمردوا!

لكن للسائل أن يسأل: ما الذي أغضب هؤلاء الذين لا يستحقون أن يغضبوا حتى تمردوا عليهم, وقد أراقوا دماءهم من أجلهم ؟

وهل من الممكن أن يصدر منهم تمرد يستحق أن يقابل بشتم؛ فضلا عن قتلهم ؟

ثم لم يسووا في المعاملة والمكافئة بين الغربيين الذين شاركوا فيها, والأفارقة الذين كانوا معهم جنبا إلى جنب. أين مبدأ المساواة الذي ينادون به في الآفاق ؟

هؤلاء الذين سودوا تاريخ العالم ببغيهم وعدوانهم, هم الذين وصل بهم الجرأة والحماقة إلى اتهام نبي الرحمة بالعنف واستعمال القوة في دعوته !!! ألا يستحيون ؟!!

أ ليسوا هم الذين يبيدون القرى بأكملها في حروبهم العدوانية هذه, ويموت فيها المئات من الأطفال والنساء وكبار السن؛ ثم لا يكون منهم إلا إطلاق بضع كلمات غابرة:"نحن متأسفون لهذه الحادثة التي تخرج عن إرادتنا"ونفوس الأبرياء تذهب هدرا ؟!!!

أ ليسوا هم الذي يطلقون الرصاص المعد للدبابات, والغازات الملوثة على الأطفال في فلسطين ؟

طفل لا يجاوز السابعة من عمره, خرج يعبر عن يأسه وآلامه المتراكمة؛ بإلقاء حصى صغيرة على هؤلاء الجنود المحتلين لأرضه, والذين حرموه حق العيش في سلام, والجنود الذين قد تسلحوا إلى الأسنان, فما كان من هؤلاء إلا أن صوبوا أسلحتهم بكل شراستها ودقتها إلى الطفل وهو يستغيث, ويتقي منهم بكل ما يصيب؛ لكن كان نصيبه الموت, فقتلوه بهذا الرصاص الذي يقطع العروق, ويمزق القلوب, ويكسر العظام, أ يفعل هذا إنسان ؟

وما هي إروشيما (Hiroshima) ونغازكي (Nagasaki) ؟

وماذا فعلوا في فيتنام (Vietnam) ؟

وماذا حدث ويحدث بالفعل في شيشان ؟

وغير ذلك من الأمور التي يتقطع القلب بتذكرها فضلا عن ذكرها. إلا أن المؤسف في الأمر أنهم بالوسائل الإعلامية والترويجية التي يملكونها, قد استطاعوا اللعب بعقول الناس, وقلب الحقائق في أنظارهم, أو تغطيتها عنها.

5)فمن الضروري أن يكون ذاك الرجل صاحب سياسة ونظام عادل يصلح به أمور الناس.

ولما كانت سياسات الناس إنما تستمد من نتائج أفكارهم, وهي قاصرة؛ قد تستحسن الشيء اليوم, وتستنكرها غدا, أو ترى النفع فيما فيه الضر, والعكس كذلك, كان من لوازم تلك السياسة أن تستمد وتستقى من الوحي الإلهي المعصوم؛ لتكون صالحة لكل زمان ومكان.

ولأن الناس لا يفصل بين نزاعهم إلا كتاب منزل من السماء, وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل (1) .

الأمر الذي يفسر لك سبب الصراع الساخن في عالمنا اليوم, والذي يعبر عنه بعضهم باصطدام الحضارات, ولا اصطدام, وإنما كل ما هناك أن الغربيين ومن نحى منحاهم, زعموا أنهم أعقل البشر, ولذا يستفرغون أقصى وسعهم للانفراد بالتحكم في سير العالم, وأن لا يشاركهم فيه غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت