فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 1037

أما دعوة الترابي إلى الإخاء الديني وإلى تكوين جبهة أهل الإيمان [اليهود، والنصارى، والمسلمون] فقديمة مثل كثير من انحرافاته، وقد كان يلقى أعقاب كل محاضرة يلقيها من يحاول نصحه وإقامة الحجة عليه، فما يزيده ذلك إلا إصرارًا وتمسكًا بما يدعو إليه، فإذا قيل له: ألم يقل الله جلَّ وعلا عن اليهود كذا وكذا - يذكرون له الآيات التي أنزلها الله بحقهم - أجاب: يهود اليوم ليسوا هم اليهود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم (عن مجلة الطالب السوداني) ، وفي محاضرة له في جامعة الخرطوم أجاب: اليهود الذين أتحدث عنهم ليسوا صهاينة.

وإذا قيل له: لقد أخبرنا الحق جلَّ وعلا في محكم كتابه بأن اليهود والنصارى كفار، أجاب: كلمة الكفر لا تعني الخروج عن الملة، وإنها بمعنى تغطية بعض الحق مثل المسلم الذي يقارف معصية، ثم يتوب منها.. ثم يمضي الترابي قائلًا:"بل سماهم الله في القرآن أهل الكتاب، فهم مؤمنون"، ولأنهم مؤمنون يشاركهم المسؤولون السودانيون - في دولة الترابي - في أعيادهم، ويسمحون لهم ببناء الكنائس وغير ذلك من الأنشطة دون حدود أو قيود.

وكتعليق عابر نقول: إن المسلمين الذين نالوا الحد الأدنى من ا لعلوم الشرعية يعلمون أن الترابي فيما يدعيه ويدعو إليه يُكذِّبُ قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم} [المائدة:17] . وقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة:73] ، وقوله: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة:18] ، وقوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحُ ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة:30 - 31] .

وإذن: لقد كفر اليهود والنصارى لأنهم كانوا يعتقدون بأن لله ولدًا، وأنه ثالث ثلاثة، وهذا هو الكفر الأكبر.

وكفر اليهود والنصارى لأنهم زعموا بأن القرآن الكريم ليس كلام الله، وأنه سبحانه وتعالى لم يرسل محمدًا r بشيرًا ونذيرًا، ولهذا فقد أجمع علماء الملة على كفر اليهود والنصارى، وكفر من لم يكفرهم أو شك في كفرهم ما لم يكن معذورًا بجهله. والعذر بالجهل يزول بعد إقامة الحجة عليه، وليس من المعذورين بجهلهم من يدعو إلى هذه الضلالة من خلال المنتديات التي يحاضر بها أو المقابلات الصحفية التي يعقدها، ويسمع في هذه وتلك ردود العلماء فما تزيده إلا إصرارًا على بدعته ودأبًا في الدعوة إليها.

والمثير للدهشة أن هذا الذي ينادي إلى قيام جبهة أهل الإيمان على أساس الملة الإبراهيمية، هو نفسه الذي أوعز للقيادة العسكرية بحل التنظيمات الحزبية، وعندما كان زملاؤه في الجبهة القومية الإسلامية يطالبونه بعودة التنظيم لأنه هو الذي دبر الانقلاب العسكري، وليس الترابي وحده، كان يتهرب من الجواب، وعندما يضطر كان يقول لهم: هكذا يريد العسكريون، وإرادة العسكريين لا تخرج عن إرادته"رمتني بدائها وانسلت".

وهو نفسه الذي لم تصدر عنه أية مبادرة لإقامة جبهة إسلامية في بلده تشمل: أنصار السنة، والإخوان المسلمين بقسميهم، وبقية الجماعات الأخرى، مع أنه هو ودولته بحاجة ملحة إلى قيام هذه الجبهة، وإلى توحيد كافة الطاقات الإسلامية لتأخذ دورها المنشود في مواجهة أعداء الله على كافة الجبهات والمواقع. فكيف نصدق أن هذا الذي بطش بزملائه وإخوانه الدعاة واحدًا بعد الآخر، ومن كان عنده أدنى شك فليذهب إلى قادة الجبهة القومية الإسلامية وليسألهم.. نعم كيف نصدق بأن هذا الذي لم يتسع صدره لجماعته يريد أن يوحد اليهود والنصارى والإسلام؟‍!.

وإذا قيل: إنها سياسة لكسب ود النصارى في السودان، والفاتيكان وأوربا وأمريكا. فالجواب: إن كسب ود هؤلاء لا يكون بقول يخرج قائله من ملة الإسلام.. ومن ثم فها هو لم يكسب ود أحد.

ثالثًا: إنكار نزول المسيح عليه السلام:

جاء في كتابه"قضايا التجديد.. نحو منهج أصولي":

"وفي بعض التقاليد الدينية تصور عقدي بأن خط التاريخ الديني بعد عهد التأسيس الأول ينحدر بأمر الدين انحطاطًا مضطردًا لا يرسم نمطًا روحيًا. وفي ظل هذا الاعتقاد تتركز آمال الإصلاح أو التجديد نحو حدث أو عهد واحد بعينه مرجو في المستقبل يرد أمر الدين إلى حالته المثلى من جديد. وهذه عقيدة نشأت عند اليهود واعترت النصارى، وقوامها انتظار المسيح يأتي أو يعود عندما يبلغ الانحطاط ذروته بعهد الدجال قبل أن ينقلب الحال صاعدًا بذلك الظهور، ولعلها تحريف للبشريات التي جاءت في الوحي القديم بمبعث عيسى ثم بمبعث محمد عليهما السلام."

وقد انتقلت هذه العقيدة بأثر من دفع الإسرائيليات إلى المسلمين. وما يزال جمهور من عامة المسلمين يعولون عليها في تجديد دينهم، وفشوها هو الذي أغرى كثيرين من أدعياء المهدية والعيسوية، وبعضهم تحركه نية صادقة للإصلاح والتجديد لكنه بتربيته الثقافية التقليدية وبتربية العامة الذين يخاطبهم لا يجد وجهًا لشرعية الخروج على القديم إلا بحجة المهدية النهائية، ولعل تلك العقيدة هي ألهت المسلمين عن القيام بعبء الإصلاح وأقعدتهم في كثير من حالات الانحطاط المستفز مرجئة ينتظرون مجيء صاحب الوقت"."

تعليق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت