فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 1037

عقيدة نزول المسيح عليه السلام آخر الزمن ثابتة في القرآن الكريم، وفي الأحاديث الصحيحة، ومنها صحيحا البخاري ومسلم، وعدّها كثير من أئمة الحديث من الأحاديث المتواترة، فابن حجر العسقلاني تتبع طرقها واحدًا واحدًا وأثبت بأنها متواترة، وذكر الشوكاني في توضيحه تسعة وعشرين حديثًا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدجال، ومنها ما هو مذكور في أحاديث المهدي المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك (4) .

الترابي لم يسلك سبيل من سلفه ممن أنكر نزول المسيح، أعني لم يتعب نفسه في مناقشة الآيات والأحاديث النبوية وأقوال العلماء، ثم يقول رأيه فيها من الوجهة الشرعية، ومن جهة أخرى لم يستخدم ألفاظًا ومصطلحات شرعية، وإنما عبارات فلسفية وإنشائية، ومن الأمثلة على ذلك قوله:"وفي بعض التقاليد الدينية"فهذه التي يسميها تقاليد أحاديث نبوية صحيحة. وقوله فيما سماه إسرائيليات:"وفشوها هو الذي أغرى كثيرين من أدعياء المهدية والعيسوية"! فهل المتبع للقرآن والسنة المتواترة دعي أم الدعي من يتبع أهواء المستشرقين والمارقين؟!.

ومن جهة ثالثة ليس صحيحًا خلطه ما بين عقيدة المسلمين في نزول المسيح واليأس الذي يعتري بعضهم، فيقعدون عن العمل الدعوي منتظرين نزول المسيح، لا، ليس الأمر كذلك لأن المسلمين مأمورون شرعًا بالدعوة والجهاد من أجل أن يكون الدين كله لله، ومن ثم فهم لا يدرون متى ينزل المسيح والمهدي والدجال، بل المطلوب منهم محاربة كل دجال في جميع الأزمنة والأمكنة.

رابعًا: الاتحاد والفناء في ذات الله بالفن:

يقول الترابي:"والدين التوحيدي هو الذي يوحد الحرية من الذات إلى النظام مع الآخرين، فيحرر المؤمن من كل ما يستعبده في النفس والمجتمع ويخلصه لربه فيلتزم من تلقاء نفسه بأمر الله. ويتحد به ويفنى فيه، ولا يستشعر مجانبة ولا حرجًا. فالدين وحده هو الذي يجعل الفنان ملتزمًا وهو صادق لا يلقى عليه الإلزام من خارج نفسه، فيكبته ولا يسمح لفنه بأن يتنفس ويعيش ويثمر أو يجعله منافقًا يعالج الصور الفنية تكلفًا متقطعًا من الإبداع الأصيل في ذات نفسه". ويقول عن الصوفية:

"فقامت الحركة الصوفية وهي تربية تثير الوجدان المؤمن، وتلتمس لطائف التعبير عن لطائف الأحوال، فأخذت من مادة الحياة الثقافية الواسعة كلمات تعبر به عن معانيها وما يعينها عن شعائر الذكر والعبادة، فكثر السماع عن الصوفية وراج الشعر الجميل ودخل التواجد في الذكر فكان الرقص وما يصاحبه من شعائر التصوف، لاسيما على الصعيد الشعبي إذ يغلب الشعور الإيماني على التصورات العلمية النظرية، ويحقق المؤمن من العوام ذاته المتدينة في حلقة ذكر راقص أو إنشاد شعر أو جلسة سماع بينما ينشغل الخاصة ويشبعون أنفسهم بالعلم والتفقه". وأضاف:

"المشكل الأكبر الذي يواجهنا اليوم في شأن الفنون هو التوجه بها إلى الدين، وهي شكل يضاهي شأننا مع السياسة والاقتصاد والعلم وكثير من مقاصد الحياة التي انقطعت عن الوجهة الدينية، ومرقت على الأطر الشرعية وشكلت قطاع حياة بجانب الدين ويجعل وجودنا في الدنيا مؤسسًا على ثنائية إشراك غير مقبول: بعض شأننا لله وبعضه لسواه".

ويمضي في الحديث عن الأسباب التي تمنع من التوجه بالفنون إلى الدين، فيقول:

"منها أن فقه العقيدة الموروث الذي نشأنا عليه لا يجعل الفن شعبة من شعاب إيماننا وتوحيدنا ولا يهيئنا لأن نتذكر الله بالجمال وصنعه ولا نعبده من خلاله. وذلك يستدعي تربية إيمانية تأصيلية في المجال الفني تجند له شروح العقيدة بوجه يدخل الفن فيها ومنهاجًا للسلوك الإيماني يحقق ذلك في واقع التدين، ولا تنفصل العقيدة الإيمانية عن صور التعبير الشرعي عنها".

وتحت عنوان:"الدين للفن"يقول:

"إن دين التوحيد الذي يسلم به الفن لله منهاج يسلك طريق العبادة بالفن من حيث يسقط اللا متدينون في الفتنة. فبالتوحيد يتخذ الإنسان الفن وسيلة إلى الله يأخذه بذات خصائصه دون كبت أو تعطيل ويسخره للعبادة، بل يرقى بطبيعته تلك ليرقى به قدر العبادة.. فلا بد إذن من اتخاذ الفن مادة لعبادة الله. فمن تلقائه يضل كثير من الضالين وبه يمكن أن يهتدي المهتدون، فمن أهمله ترك بابًا واسعًا للفتنة الملهية عن الله والداعية إلى معاصيه، ومن أخذه بما ينبغي فتح بابًا واسعًا للدعوة إلى الله بدفع جاذبية الجمال ولعبادته أجمل وجوه العبادة. فالغالب من الناس يقبلون على الفنون والجماليات ويمكن أن توافيهم داعية الدين، وسواء عظيم منهم آتاهم الله ملكة الإبداع الفني، ورباهم فيهم مجتمع مولع بالفنون، ولن تكتمل لهم حياة موحدة إلا إذا جعلوا نشاطهم الفني بعض تدينهم، ولم يشققوا حياتهم ويحيلوا الفن هامشًا لغوًا فيها، أو يحيلوا الدين إلى زاوية معزولة" (5) .

وعن الرقص يقول:

"الرقص كذلك تعبير جميل يصور معنى خاصًا بما تنطوي عليه النفس البشرية.. إلى أن قال: ولا ننكر أن في الغرب رقصًا يعبر عن معانٍ أخرى كريمة" (6) .

وفي المجال التطبيقي لهذه القناعة في الغناء والرقص أسس الترابي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات فرقة غنائية موسيقية مكونة من فتيان وفتيات سماها"نمارق"، وأحيت نمارق الترابي حفلات غنائية مختلطة، وفي مثل هذه الأجواء لابد من اختلاء الشباب مع الشابات، وهذا الاختلاء يقود حتمًا إلى مفاسد كثيرة، وإثم ذلك كله في ذمة المفتي الدكتور في الحقوق الدستورية من جامعة السوربون حسن الترابي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت