قال الطبري:"وإن أدبروا معرضين عما تدعوهم إليه من الإسلام وإخلاص التوحيد لله رب العالمين، فإنما أنت رسول مبلغ، وليس عليك غير إبلاغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه من خلقي وأداء ما كلفتك من طاعتي، ]والله بصير بالعباد [ يعني بذلك: والله ذو علم بمن يقبل من عباده ما أرسلتك به إليه، فيطيعك بالإسلام، وبمن يتولى منهم عنه معرضًا فيرد عليك ما أرسلتك به إليه، فيعصيك بإبائه الإسلام".[380]
قال الشوكاني في سياق شرحه لقول الله تعالى: ] فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [ (الرعد: 40) :"أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم، لما بلّغته إليهم، ] وعلينا الحساب[ أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك."
وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله r ، وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به، وليس عليه غيره، وأن من لم يجب دعوته ويصدق نبوته، فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترأ عليه من ذلك". [381] "
وقال تعالى: ]فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر[ (الغاشية: 21-22) .
قال الطبري:"يقول: لست عليهم بمسلَّط، ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد، يقول: كِلْهم إليّ، ودعهم وحكمي فيهم...". [382]
قال ابن كثير:"]فإن أعرضوا [ يعني المشركين ] فما أرسلناك عليهم حفيظًا [ (الشورى: 48) أي: ] لست عليهم بمصيطر [ (الغاشية: 22) ، وقال عز وجل: ] ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء [ (البقرة: 272) ، وقال تعالى: ] فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [ (الرعد: 40) ، وقال جل وعلا في آية الشورى: ] إن عليك إلا البلاغ [ (الشورى: 48) أي: إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم".[383]
فالإسلام - كما رأينا - يعترف بوجود الاختلاف وعدم إمكانية جمع الناس على دين واحد، ويطلب من الدعاة ورثة الأنبياء القيام بواجب البلاغ في الدنيا واستفراغ الوسع في الإرشاد والنصح للعالمين، ثم الله يتولى - بحكمه وعدله - يوم القيامة حساب المعاندين وجزاء المؤمنين.
تاريخ الحوار
منذ سطع نور الإسلام على الدنيا أدرك المسلمون طبيعة دينهم وعالمية رسالته، فقاموا يدعون الناس إلى هديه، فبدأ الحوار بين المسلمين ومشركي قريش، وسجل القرآن في آياته الكثير من هذه الحوارات، وتولى فيها الرد على المشركين.
وكان من أهم مناسبات الحوار هجرة أصحاب النبي r إلى الحبشة، وحوارهم مع النجاشي حول قول المسلمين في المسيح وأمه عليهما السلام.
وحين انتقل النبي r إلى المدينة بدأ الحوار مع أهل الكتاب من قطّان المدينة المنورة، وقد نقل القرآن الكثير من الحوارات التي طَلب من النبي r أن يجريها مع أهل الكتاب، والكثير منها كان يبدأ بقوله تعالى: ] يا أهل الكتاب[ (النساء: 171، المائدة: 15، 19، 59، 68، 77) .
ومن حواره r مع يهود المدينة أن حبرًا من اليهود يقال له مالك بن الصيف جاء يخاصم النبي r، فقال له النبي r: (( أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ ) )وكان حبرًا سمينًا.
فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك، ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله: ] وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى [ (الأنعام: 91) . [384]
وكان أهم اتصال بالنصرانية قدوم وفد نصارى نجران إلى المدينة وبقاؤهم فيها أيامًا يناظرون رسول الله r وقد أذن لهم رسول الله بالصلاة في مسجده، وقال لأصحابه: (( دعوهم ) ) [385] ، ونزل بسبب هذه الزيارة بضع وثمانون آية من صدر سورة آل عمران.
ولم تنقل إلينا كتب السنة إلا النزر اليسير عما دار بينهم وبين رسول الله r .
ومما نقل في ذلك ما ذكره ابن جرير في تفسيره أنه جاء راهبا نجران إلى النبي r، فعرض عليهما الإسلام ، فقال أحدهما: إنا قد أسلمنا قبلك . فقال: (( كذبتما. إنه يمنعكما عن الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم لله ولد ) ).
قال: من أبو عيسى ؟ وكان r لا يعجل حتى يأتي أمر ربه ، فأنزل الله تعالى: ]إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (آل عمران: 59) . [386]
وذكر الطبري بإسناده أيضًا أن نصارى نجران قالوا:"ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال: بلى. قالوا: فحسبنا. فأنزل الله عز وجل: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله (آل عمران: 7) . [387] "
لكن الذي يثير الانتباه في زيارة وفد نصارى نجران ما نقله الطبري من اجتماع النبي r بهم في حضور وفد من يهود المدينة، فقد روى بإسناده إلى ابن عباس أنه"اجتمعت نصارى نجران وأحبار اليهود عند رسول الله، فتنازعوا عنده ، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا. فأنزل الله: ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا (آل عمران: 67) . [388] "
وحين رجع وفد نجران إلى بلاده لم ينقطع حوارهم مع المسلمين ، ذلك أن النبي r أرسل معهم المغيرة بن شعبة، فكانوا يحاورونه ويطرحون عليه الأسئلة عن القرآن، ومن ذلك أنه أشكل عليهم مؤاخاة القرآن بين مريم وهارون، وبينهما زمن مديد، فقالوا للمغيرة:"ألستم تقرؤون: ] يا أخت هارون (مريم: 28) ، وقد علمتم ما بين موسى وعيسى ...". [389]
كما استقبل النبي r في مسجده عدي بن حاتم الطائي ، وحاوره في أخذه المرباع من قومه ، وهو لا يحل له في دينه ، ودعاه للإسلام فأسلم. [390]
واستقبل أيضًا الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس، وكان نصرانيًا؛ فدعاه إلى الإسلام، فأسلم. [391]