فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 1037

كما كانت مراسلة النبي r لملوك النصارى ومقدميهم نوعًا من الحوار، فقد أرسل أصحابه بكتبه إلى النجاشي وهرقل والمقوقس عظيم القبط وهوذة الحنفي صاحب اليمامة؛ يدعوهم للإسلام.

مع أن كتب التاريخ لم تنقل إلينا الكثير مما جرى بين سفراء النبي r والمرسلين إليهم إلا أنه من المؤكد تحاورهم، إذ هو ما تقتضيه السفارة.

ومما نقل في ذلك حوار حاطب بن أبي بلتعة مع المقوقس، فقد سأله المقوقس عن حرب النبي r مع أعدائه، فأجابه حاطب بأنه يَغلِب ويُغلَب، فقال المقوقس: أنبي الله يُغلب؟ فأجاب حاطب: أولد الله يُصلب؟ [392]

ومثله ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب من حديث حاطب بن أبي بلتعة أن المقوقس جمع بطارقته فقال: إني سأكلمك بكلام أحب أن تفهمه مني. قال: قلت: هلم. قال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيًا؟ قلت: بلى، هو رسول الله.

قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه، حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم، أتشهد أنه رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا صلبه ألّا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ قال: أحسنت، أنت حكيم جاء من عند حكيم. [393]

وحين دخل المسلمون مصر وبلاد الشام تحولت تلك الشعوب النصرانية إلى الإسلام دين الفاتحين الجدد، وهذا التحول ثمرة لأسباب متضافرة، أهمها الحوار الذي شاع بين المسلمين والنصارى في تلك الربوع.

ولئن كان التاريخ ذهل عن تسجيل حوارات عوام المسلمين مع غيرهم، والذي أسفر عن دخولهم الإسلام ، فإنه لم يغفل عن تسجيل الحوارات التي جرت في قصور السلاطين من المسلمين وغيرهم .

ومنه حوار الخليفة هارون الرشيد مع طبيبه النصراني ، واستعانته بعالم خراسان محمد بن عمر بن واقد. [394]

كما جمع الخليفة المأمون بين كلثوم بن عمرو العتابي وابن فروة النصراني، وتناظرا بين يديه في قول النصارى بألوهية المسيح. [395]

كما وفد القاضي أبو بكر محمد الباقلاني على ملك الروم في القسطنطينية بأمر من المعتضد العباسي، والحوار الذي جرى بينه وبين ملك الروم وراهبهم مشهور في كتب التاريخ. [396]

ونقل صاحب عيون المناظرات قصة فيلسوف نصراني قدم بغداد، وأسلم بعد حواره مع نخبة من علماء المسلمين ، جمعهم الخليفة في قصره ، منهم الصالحي والجبائي والكعبي والأشعري. [397]

وبعيدًا عن قصور الأمراء تحاور العلماء المسلمون مع غيرهم ، ولعل من أوائل ما نقل في هذا الصدد حوار أبي حنيفة النعمان بن ثابت مع طائفة من الملاحدة حول سببية العالم. [398]

وكذلك حوار الفخر الرازي الطويل مع قسيس في خوارزم في موضوعات أهمها نبوة النبي r وهل معجزات عيسى تدل على نبوته أو ألوهيته؟ [399]

ثم مناظرة ابن القيم لأحد رؤساء اليهود حول نبوة النبي r . [400]

كما كتب العلماء العشرات من الكتب والردود على مختلف محاوريهم، فازدهر حوار الكتب، ومنه كتاب"الجواب الصحيح"لابن تيمية، وهو يرد فيه على كتاب ورد من قبرص بعنوان:"الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم"لراهب صيدا الأسقف بولص الراهب.

كما كتب أبو الوليد الباجي رسالة رد فيها على رسالة وجهها راهب فرنسا إلى المقتدر أمير سرقسطة يدعوه فيها للدخول في النصرانية. [401]

وكتب أبو عبيدة الخزرجي القرطبي كتابه المشهور باسم"مقامع هامات الصلبان، ومراتع روضات الإيمان" [402] ردًا على أسئلة كان يثيرها قسيس من القوط على نفر من المسلمين بطليطلة.

ولم تنقطع الحوارات والكتب المتبادلة بين المسلمين وغيرهم، وإن خَفَت بريقها مع تراجع الحركة العلمية عند المسلمين.

ومع بداية الحركة الاستعمارية الغربية تجدد الحوار بين المسلمين ومستعمريهم، ولعل من أبرز ما يذكر في هذا الصدد الحوار الذي جرى بين العلامة رحمة الله الهندي والقس كئي ومساعده القس فرنج، ثم جرت المناظرة الكبرى بينه وبين القس فندر في شهر رجب من عام 1270هـ ردًا على النشاط التنصيري في الهند.

وفي القرن الميلادي العشرين نشط الحوار بين الأديان ، ودعي المتحاورون إلى عدد من المؤتمرات، منها مؤتمر تاريخ الأديان الدولي في بروكسل في عام 1935م، والمؤتمر العالمي للأديان المنعقد في لندن عام 1936م ، ثم في جامعة السوربون عام 1937م.

ونشطت الدعوة إلى حوار الأديان إثر انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني 1965م والذي دعا لاستئناف الحوار مع الأديان، وأنشأ مؤسسات خاصة بذلك داخل الفاتيكان تولت الدعوة لعدد من المؤتمرات واللقاءات بين القيادات الدينية في العالم، ثم توالت الحوارات والدعوات من مختلف المؤسسات والمنظمات والدول الإسلامية وغيرها.

والمتأمل في هذه القراءة التاريخية السريعة في تاريخ الحوار؛ لن تخطئ عينه رؤية ما قدمه الإسلام من نماذج حوارية فريدة منذ بعث النبي r ، نماذج لم تتوقف في تاريخنا الطويل، وهي تدعونا لاستئناف الحوار الحضاري وتنشيطه من جديد، وأخذ زمام المبادرة إليه، استجابة لأمر الله تعالى، وتأسيًا واتباعًا لنهج نبينا r.

أنواع الحوار ومشروعيتها

إن المتتبع لتاريخ الحوار بين أهل الإسلام وغيرهم من أتباع الملل في القديم والحديث يجد أنواعًا ثلاثة من الحوار تتداخل فيما بينها أحيانًا، وتفترق في أحايين أُخر.

وفي هذا المبحث نود الوقوف مع كل نوع منها وبيان حكمه وأهم موضوعاته وخصائصه.

أ. حوار الدعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت