فهرس الكتاب
قال: (( حتى أنظر ما يأتيني من ربي ) )فجاءه الوحي من الله من اللوح المحفوظ: ]قل يا أيها الكافرون [ [الكافرون: 1] إلى آخرها". [461] "
و قوله في هذا الحديث: (( حتى أنظر ما يأتيني من ربي ) )نوع من التلطف في الخروج من الموضوع.
قال ابن تيمية:"قد يقول هذا من يقصد به دفع الظالمين بالتي هي أحسن، ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ذلك، فيؤخر الجواب حتى يستأمره، وإن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا سبيل إليه، وقد تخطب إلى الرجل ابنته فيقول: حتى أشاور أمها، وهو يريد أن لا يزوجها بذلك، و يعلم أن أمها لا تشير به، وكذلك قد يقول النائب: حتى أشاور السلطان". [462] فالإعراض عن الجواب نوع من التلطف وأدب من آداب الدعوة والحوار.
3-ترك الخوض فيما لا يحسنه
لعل من الضروريات التي لا يحسن بأحد تجاوزها عدم خوض المرء فيما لا يملك عليه بينة ولا برهانًا، والرزية أن يهرف المرء بما لا يعرف، وأن يقول ما لا يعلم، وهذا الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب، وهو ذم لكل من صنع صنيعهم، قال الله تعالى: ]فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم [ (آل عمران: 66) ، قال القرطبي:"دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده .. قد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن، فقال تعالى: ] وجادلهم بالتي هي أحسن [".[463]
وقال تعالى: ]إن الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير[ (غافر: 56) .
وفي هذه الآيات تقريع من القرآن الكريم لأولئك الذين يخاصمون الأنبياء، ويلجون إلى الحوار دون دليل ولا برهان، ولأنهم لا يملكون علمًا ولا حجة، فإنهم يعالجون مسائلهم بالهوى والجدال بالباطل والتكذيب والاستكبار عن قبول الحق.
والنبي r - وهو أعلم الخلق - توقف في حواره مع أهل نجران حتى أتاه علم الله في المسألة التي يحاور فيها، إذ لما جاءه راهبا نجران عرض عليهما الإسلام، فقال أحدهما: إنا قد أسلمنا قبلك. فقال: (( كذبتما. إنه يمنعكما عن الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: لله ولد ) ).
قال [الحبر] : من أبو عيسى؟ وكان r لا يعجل حتى يأتي أمر ربه، فأنزل الله تعالى: ] إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ (آل عمران: 59) )) .[464]
فالمشاركون في الحوار مدعوون لالتزام هذا الهدي النبوي، وعدم الخوض في قضايا الحوار المختلفة إلا ببينة من الله أو برهان من رسوله.
4-ترك المجال للمحاور بذكر معتقده
ولما كان الحوار يدور بين طرفين أو جهتين، فإنه من الطبيعي أن يعرب كل طرف عن معتقده، وأن يذكر ما يجول في خاطره من تساؤلات، يبحث عن إجابة لها، وقد يقع المحاور غير المسلم بما لم يعتده المسلم من أدب واحترام لشعائر الإسلام، فقد يذكر اسم النبي r مجردًا، وقد يقول بأن القرآن من كلام محمد، أو أن المسيح هو الله، وغيرها مما يعتقده ويستنكره المسلم ويستقبحه، بل قد يرغب المحاور بممارسة طقوسه وعبادته، فهل يؤذن له بذلك طلبًا لاستمرار الحوار وطمعًا في مصلحة غالبة؟
وفي الإجابة عنه نقول: وقع مثل هذا زمن النبي r، فقد قبِل r من حَبر يهودي أن يخاطبه باسمه مجردًا من النبوة، إذ هو مما لا يعتقده محاوره، قال ثوبان: كنت قائمًا عند رسول الله r، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله r: (( إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي... ) ). [465]
وحين حاور النبي r في مسجده بالمدينة وفد نصارى نجران الذي قدم على النبي r في خمسة عشر رجلًا بقيادة أسقفهم أبي الحارث؛ أذن لهم النبي r أن يقيموا صلاتهم في أحد أركان مسجده. [466]
قال ابن القيم:"وفيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك". [467]
ويقول:"أما الآن فلا مصلحة للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحة راجحة جاز دخولها بلا إذن". [468]
ومن صور تسامح المسلمين في حوارهم مع أهل الكتاب تمكينهم من الإعراب عن عقائدهم ومحاورة المسلمين فيما يشكل عليهم فهمه من أمور الإسلام ، ومن ذلك أن المغيرة بن شعبة أتى أهل نجران"فقالوا: ألستم تقرؤون: ]يا أخت هارون[ (مريم: 28) ، وقد علمتم ما بين موسى وعيسى. قال المغيرة: فلم أدر ما أجيبهم."
فرجعتُ إلى رسول الله r فأخبرته. فقال: (( ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم ) ). [469]
يقول ابن تيمية:"وهذا السؤال الذي هو سؤال الطاعن في القرآن لما أورده أهل نجران الكفار على رسول رسول الله r، ولم يجبهم عنه: أجاب عنه النبي r، ولم يقل لهم: ليس لكم عندي إلا السيف، ولا قال: قد نقضتم العهد إن كانوا قد عاهدوه، وقد عرف أن أهل نجران لم يرسل إليهم رسولًا إلا والجهاد مأمور به". [470]
وهكذا فالإفساح للمخالف في الإعراب عن دينه وممارسة شعائره لون فريد من ألوان التسامح الإسلامي، وهو أيضًا أدب آخر من آداب الحوار والجدال.
5-مداراة المحاور وإكرامه وحسن التعامل معه
ومن آداب الحوار حسن المعاملة مع المحاور، ومداراة المحاور الآخر وإكرامه وحسن استقباله، فعن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا استأذن على النبي r فلما رآه قال: (( بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة ) )فلما جلس تطلَّقَ النبي r في وجهه وانبسط إليه.