فهرس الكتاب
فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه فقال رسول الله r: (( يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشًا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره ) ). [471]
وفي شرح الحديث ينقل ابن حجر عن القرطبي قوله:"في الحديث .. جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى ... والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا , وهي مباحة, وربما استحبت , والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا , والنبي r إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقولٍ، فلم يناقض قوله فيه فعله , فإن قوله فيه قول حق , وفعله معه حسن عشرة ...".
وعقّب ابن حجر بقوله:"وهذا الحديث أصل في المداراة". [472]
ومن المداراة مناداة المحاورين غير المسلمين بما يليق بهم من ألقاب يستحقونها، وتحيتهم تحية مناسبة، كقوله r: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ) ). [473]
قال ابن حجر:"قوله: (( عظيم الروم ) )فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة, لأنه معزول بحكم الإسلام , لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التألف..". [474]
قال النووي:"ولم يقل: إلى هرقل فقط , بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: (( عظيم الروم ) ), أي الذي يعظمونه ويقدمونه , وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام، فقال تعالى: ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ (النحل: 125) ، وقال تعالى: ] فقولا له قولًا لينًا [ (طه: 44) وغير ذلك".[475]
وأيضًا من المداراة للآخرين الفعل الحسن، كعيادة مريضهم، وإكرام وفدهم، تأسيًا بالنبي r في صنيعه مع عدي بن حاتم الطائي وعكرمة بن أبي جهل قبل إسلامهما.
قال عدي بن حاتم:"أتيت رسول الله r وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي .. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها". [476]
ولما قدم عكرمة بن أبي جهل على النبي r قال له: (( مرحبًا بالراكب المهاجر ) )، وفي رواية الطبراني: فلما رآه النبي r قام إليه، فاعتنقه، وقال: (( مرحبًا بالراكب المهاجر ) ). [477]
ومن قبل أحسن النبي r معاملة أبيه على طغيانه وكفره، يقول المغيرة بن شعبة: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله r أني كنت أمشي مع أبي جهل بمكة، فلقينا رسول الله r فقال له: (( يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه، أدعوك إلى الله ) ). [478] فناداه r بأحب الأسماء إليه تألفًا لقلبه.
ومن المداراة وحسن التعامل مع الآخر صنيع مؤمن آل فرعون مع قومه، فقد كان يقول لهم مع كل نصيحة: ]يا قوم [ (غافر: 30، 32، 38، 39، 41) . يتألفهم بذلك. قال القرطبي:"فقال: ] يا قوم [ ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه".[479]
فالمحاور المسلم يتأدب بالرفق و اللطف والمدارة، إذ الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.
6-التنزل مع الخصم في الحوار ومجادلته بالحجج القريبة إليه
قال تعالى: ]وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ (سبأ: 24) قال القرطبي:"هذا على وجه الإنصاف في الحجة كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب، والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهتد، وهو نحن، والآخر ضال، وهو أنتم".[480]
ونقل القرطبي قول بعض أهل العلم:"وقد علم أنه على هدى، وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على هدى، وأنتم على ضلال". [481]
ويعلمنا الله هذا الأدب في التعامل مع الآخرين، وهو يؤدب نبيه بقوله: ]قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [ (الزخرف: 81) ، قال القرطبي:"وقيل: المعنى: قل يا محمد: إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل، فأنا أول من يعتقده، وهذه مبالغة في الاستبعاد، أي لا سبيل إلى اعتقاده، وهذا ترقيق في الكلام كقوله: ] وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ (سبأ: 24) ، والمعنى على هذا: فأنا أول العابدين لذلك الولد، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد".[482]
قال الطبري:"لم يكن على وجه الشك، ولكن على وجه الإلطاف في الكلام وحسن الخطاب، كما قال جل ثناؤه: ] قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ (سبأ: 24) ، وقد علم أن الحق معه، وأن مخالفيه في الضلال المبين". [483]
ومثله صنيع إبراهيم عليه السلام من قبل، حيث قال لقومه: ] فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون[ (الأنعام: 76-78) .
قال الرازي:"هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه".
وقوله عليه السلام عن الشمس والقمر والكوكب: ] هذا ربي[ إنما نوع من التدرج في إبطال ربوبيتها.