فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 1037

ولما جاء وفد نجران إلى النبي r أسمعهم النبي r معتقده في المسيح عليه السلام، ولم يبال عليه الصلاة والسلام بغضبهم من ذلك، فقالوا: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: (( وما أقول؟ ) )قالوا: تقول: إنه عبد. قال: (( أجل. إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول ) )، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب، فإن كنت صادقًا فأرنا مثله. فنزلت الآية: ] إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترب ثم قال له كن فيكون [ (آل عمران: 59) .[529]

وللمداهنة المستقبحة صور كثيرة أهمها الثناء على معتقدات الآخرين وتسويغها، أو التوقف في كفرهم واعتبارهم إخوة لنا يجمعنا بهم الإيمان بالله وغير ذلك مما لا يخفى تحريمه، وقد سبق بيان بعضه.

والعجب من وقوع بعض المحاورين في هذا المنكر البغيض تطوعًا من غير ضرورة ولا مسوغ مفهوم إلا التزلف للآخرين واسترضاؤهم بما يغضب الله العظيم.

وأمثال هؤلاء مدعوون لقراءة ما قاله جعفر بن أبي طالب بين يدي النجاشي، إذ لم يمنعه ضعفه وغربته من أن يقول الحق من غير مداهنة بين يدي ملك لا تدرى عواقب مخالفته. فقد قال سفير قريش عمرو بن العاص:"والله لأنبئنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم ... والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد."

قالت [أم سلمة] : ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.

قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله.

فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول - والله - فيه ما قال الله، وما جاء به نبينا، كائنًا في ذلك ما هو كائن.

فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول". [530] "

ويمكننا أيضًا أن نلحظ في القصة إباء جعفر وامتناعه عن السجود للنجاشي خلافًا لعادة الناس مع الملوك، فقد تركه لحرمته في الإسلام، مع مسيس الحاجة إليه تألفًا لقلب النجاشي نحوه ونحو المسلمين الملتجئين إلى جواره وأرضه"فسلم ولم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل. قال: وما ذاك؟ قال: إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله r، وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل". [531]

2-تعظيم من لا يرضى الله تعظيمه

وهذا التعظيم مذموم لما فيه من مدحة أو ثناء لا يستحقه المحاور غير المسلم ، قال r: (( لا تقولوا للمنافق سيدًا، فإنه إن يكن سيدًا فقد أسخطتم ربكم عز وجل ) ). [532]

قال أبو الطيب الآبادي:"لأنّه يكون تعظيمًا له، وهو ممّن لا يستحقّ التّعظيم، فكيف إن لم يكن سيّدًا بأحد من المعاني؛ فإنّه يكون مع ذلك كذّابًا ونفاقًا". [533]

وحين خاطب النبي r ملوك الأرض صانعهم ورفق بهم، لكنه لم يضف عليهم عظيم الألقاب، بل توقى في خطابهم، من غير أن يبعد عن ملاطفتهم واستمالتهم، فقد كتب إلى هرقل إمبراطور الروم قائلًا: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم.. ) ). [534]

قال ابن حجر:"فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة ; لأنّه معزول بحكم الإسلام, لكنّه لم يخله من إكرام لمصلحة التّألّف..". [535]

قال النووي في فوائد الحديث:"التوقي في المكاتبة , واستعمال الورع فيها , فلا يفْرِط ولا يفَرِّط , ولهذا قال النبي r: (( إلى هرقل عظيم الروم ) ), فلم يقل: ملك الروم , لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام .. ولم يقل: إلى هرقل فقط , بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم , أي الذي يعظمونه ويقدمونه, وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام، فقال تعالى: ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ (النحل: 125) ، وقال تعالى: ] فقولا له قولًا لينًا [ (طه: 44) ".[536]

3-تصدي بعض من لا يحسنون الحوار له

وفي بعض جولات الحوار رأينا ضعفًا وخورًا عند من يتصدى له، ويقع ذلك منهم بسبب قلة معرفتهم بالعلوم الشرعية أو غيرها من الأسباب، في وقت نرى فيه حرص النصارى واليهود على إشراك أكبر كفاءاتهم العلمية والكنسية في حوارهم مع الآخرين.

وهذا العيب في بعض المحاورين من المسلمين قد يدفع بالمحاور إلى الشطط في مجاراة الآخرين، فينساق إلى ما هو باطل، أو يقصر عن تبيان ما هو حق، فتقصر حجته، وتكسد بضاعته.

وقد حذر الله تعالى من هذا الصنيع، فقال: ] ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا[ (الإسراء: 36) .

قال ابن تيمية:"والمذموم شرعًا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل بغير علم والجدل في الحق بعد ما تبين". [537]

وقال رحمه الله مشنعًا على الشهرستاني قصوره في مجادلته للفلاسفة:"ولهذا كانت مناظرة كثير من أهل الكلام لهم مناظرة قاصرة، حيث لم يعرف أولئك حقيقة ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وما ذمه من الشرك، ثم يكشفون بنور النبوة ما عند هؤلاء من الضلال كما ناظرهم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل ..كان قولهم أظهر، فكان رده عليهم ضعيفًا لضعف العلم بحقيقة دين الإسلام ..". [538]

وهذا العيب نعاه القرآن الكريم على أهل الكتاب، فقال عز وجل: ]ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم[ (آل عمران: 66) .

قال القرطبي:"الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده .. وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن، فقال تعالى: ]وجادلهم بالتي هي أحسن [ (النحل: 125) ". [539]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت