وقال ابن كثير:"الآية هذه إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم.. فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجليتها". [540]
وقال ابن تيمية مبينًا ضرر الجدال بلا علم على المسلمين:"وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظرُ ضعيفَ العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى ذلك الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًا من علوج الكفار، فإنَّ ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة". [541]
وتجنبًا لهذا المحذور أوصى المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة أن"لا يتولى الحوار إلا المختصون من علماء المسلمين"، وأكده في دورته الحادية والعشرين:"أن يتولى تمثيل الرابطة فيها العلماء المختصون بالمواضيع المطروحة في جدول أعمالها".
4-الخروج عن آداب الإسلام في الحوار
ومما يؤخذ على بعض المشاركين في الحوارات العامة، خاصة غير الرسمية منها، - كتلك التي تجري على شبكة الإنترنت - الاستمرار في الحوار، ولو فقد مصداقيته وضل أهدافه، وساء أدبه، فاكتسى من السباب سربالًا، ومن العناد جلبابًا.
وهذا ولا ريب من الجدال المذموم، و"قد تكون المصلحة في الامتناع عن مجادلة طائفة منهم أو مع أفراد لسبب أو لآخر، وهذا استثناء …". [542]
وفي نبذ الجدل العقيم الصادر عن طائفة غير مؤمنة، يقول الله تعالى: ]ولما ضرب ابن مريم مثلًا إذا قومك منه يصدون قالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلًا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل[ (الزخرف: 58-57) .
قال الطبري:"ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد هؤلاء المشركين في محاجتهم إياك بما يحاجونك به طلب الحق، بل هم قوم خصمون، يلتمسون الخصومة بالباطل". [543]
يقول ابن تيمية:"وقد يُنهى عنها [أي المناظرة] إذا كان المناظَر معاندًا يظهر له الحق فلا يقبله، وهو السوفسطائي، فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بيّنة بنفسها ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائيًا، ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك". [544]
وقال ابن سعدي في وصف المجادلة المحمودة:"أن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق، لا المغالبة ونحوها )) . [545] "
ومثل هذا الحوار ينجر عادة إلى السباب المحرم، الذي لا يتوافق مع الدعوة بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، بل هو نوع من الرعونة والفحش وسوء الخلق.
وهذه الصفات أبعد ما تكون عن المؤمن، إذ (( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ) ). [546]
قال الغزالي:"المؤمن ليس بلعان؛ فينبغي ألا يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم، دون الأشخاص المعينين، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن ففي السكوت سلامة". [547]
ولما قيل لرسول الله r: يا رسول اللّه، ادع على المشركين.. قال: (( إنّي لم أبعث لعّانًا، وإنّما بعثت رحمةً ) ). [548]
قال مكي بن إبراهيم: كنا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بردة [الوالي] فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه لأذاه لابن عون وامتحانه له، وابن عون ساكت، فقالوا: يا ابن عون؛ إنما نذكره لما ارتكب منك! فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة:"لا إله إلا الله"،"ولعن الله فلانًا"، فلأن يخرج من صحيفتي:"لا إله إلا الله"؛ أحب إلي من أن يخرج منها:"لعن الله فلانًا". [549]
وخشية الانجرار إلى السباب وتقويض غايات الحوار ومقاصده نهى الله عن المؤمنين عن سب ولمز آلهة المشركين وأصنامهم، فقال: ]ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم[ ( الأنعام: 108) .
وقد نقل المفسرون في سبب نزولها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب:"إما أن تنهى محمدًا وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها، وإما أن نسب إلهه ونهجوه"، فنزلت الآية. [550]
وقد أفاد القرطبي منها النهي عن سب ولمز سائر ما يقدسه الآخرون، لا من باب التعظيم لها، بل سياسة وتألفًا، يقول:"حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة، وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية .. وفيها دليل على أن المحقَّ قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين". [551]
5-هجر المصطلحات والأساليب الشرعية
ومما يقع به المتحاورون أحيانًا هجر المصطلحات والأساليب والحجج الشرعية والتباعد عنها تقربًا إلى الآخرين أو غيره مما يرونه مصلحة للدعوة.
وهذا الصنيع مجاف، بل منافٍ لما عهد من النبي r في مخاطبته المشركين.
ومن ذلك أنه لما قدم ضماد مكة أتى النبي r فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله r: (( إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ) )، فكانت هذه الكلمات سببًا في إسلامه، فقال للنبي r: (أعد علي كلماتك هؤلاء.. لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغنَ ناعوس البحر. فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام) . [552]
ولما كتب النبي r رسائله إلى الملوك صدّرها بالبسملة كما في رسالة هرقل (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم.. ) ). [553]