ولذا نقول بمطلق الثقة إن أول رداءٍ يجب أن يتدثر به الطبيب هو رداء العبودية، ولن يتحقق ذلك حتى يخلع كل رداءٍ سواه من جاهٍ ومنصبٍ ودنيا، فيدخل في هذه المهنة تعلُّمًا وممارسةً وهو يراعي تحقيق شروط التعبد من جهة، ويحرص على نقاء العمل من شوائب الحبوط من جهة أخرى، وبكلام آخر نقول إنه لا بد من استحضار صفة العبودية لله في مجال الطب بتحرير كلٍ من النية والمتابعة؛ فتكون النية خالصةً لله تعالى كما أمر:"وما أُمِروا إلا ليعبداو الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيِّمة" [560] ، وتكون المتابعة مجردةً للنبي صلى الله عليه وسلم كما أمر:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَد" [561] ، فإذا سألت عن مكان النية في مجال الطب فاعلم أنها طلب علمه والعمل بمقتضاه طلبًا لرضى المولى عز وجل فحسب، بحيث يكون كل عمل متفرعٍ عن هذا المجال خالصًا لله تعالى، تأمل معي هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الله عز وجل يقول يوم القيامة:يا ابن آدم مرضتُ فلم تعُدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعُده، أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده" [562] ، وهكذا فلتكن عيادتك للمريض وعنايتك بالمريض وقيامك على شأنه عيادةً لله عز وجل، وليكن طلبك للعلم في باب الطب منصرفًا إلى تحصيل ما فيه نفع العباد طلبًا لمرضاة رب العباد، ولسوف ترى كيف ينقاد لك هذا العلم ويُسلم لك زمامه، كما قال بعض السلف - وأحسبه سفيان الثوري-: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله [563] . أما إذا سألت عن مكان متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في باب الطب أحلتك على مجموع السنة النبوية المطهرة بما فيها من هديٍ نبويٍ كريمٍ يضبط أصول التطبيب وأصول درء المفسدة عن العباد وجلب المنفعة إليهم، وحسبك من هذا كله في مقام التجريد هذا تلك القاعدة النبوية العظيمة حيث روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن" [564] فهذا أصلٌ عظيمٌ في عدم جواز العبث بأبدان الناس وصحتهم، ومسؤولية الطبيب مسؤولية كاملة عما يقترفه في حق المريض إذا ما وقع منه تقصير ، ومن أخطر أنواع التقصير في الطب ما كان ناجمًا عن مداواة الناس بالجهل. وإنما أردت بتقرير هذه القاعدة هاهنا التنبيه على جنس ما تشتمل عليه السنة النبوية من أصول وقواعد تضبط مهنة الطب لا أقول ضبطًا مهنيًا فحسب بل ضبطًا شرعيًا مُلزمًا للمكلف، بحيث نستطيع القول بثقة مطلقة: إن من لم يلتزم متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أصول مداواة الناس يكون قد خرق شرط قبول العمل وليس له البتة أي حظٍ ولا نصيب من حلية العبودية وإن صَفَت نيته، إذ المعلوم أن شرطَي قبول الأعمال هما سلامة الإجابة على سؤالَي: لمَ عملت؟ وكيف عملت؟ فتنبه لهذا الأمر، واعلم أن من خرق أحد هذين الشرطين أو كليهما فليس له حظ من طبِّه وتطبيبه سوى وظيفة دنيوية أو مكانة علمية موهومة أو مهنة يتكسب بها لا أكثر، ناهيك عن خطر الوقوع في الإثم في بعض الحالات، وإن من يدرك الكم الهائل من الأوقات والأعمار التي تفنى في سبيل تحصيل مراتب هذه المهنة ليشفق على نفسه وعلى غيره ألا يكون له منها حظٌ إلا حظ الدنيا، وأن يكون مِن جنس مَن قال فيهم عز وجل:"فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق" [565] فاحرص أيها الطبيب المسلم على تحقيق وتحرير هذين الركنين وكن شديد الحرص على تعهدهما بالرعاية والسقاية حتى لا تذبل غرسة الإخلاص في القلب ولا يخبو نور المتابعة في الجوارح."
وننبه في هذا المقام إلى أمرٍ آخر وهو مقام عبودية التوكل الذي يغفل عنه كثير من الأطباء؛ حيث يميل الأطباء - بسبب كثرة ما اطلعوا عليه من أسباب - إلى الركون إلى ما كشفه الله تعالى لهم من علوم، وينسى البعض أو يتناسى فضل الله تعالى عليه فيما يسّره من أسباب التشخيص والعلاج والشفاء، وينسى أنه - أي الطبيب - ليس إلا سببًا من جملة الأسباب لا حول له ولا قوة ولا يملك في نفسه شفاءً ولا نفعًا ولا ضرًا، وتأمل معي كيف أن طبيب القلوب الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علَّمه ربُه وأدبه فأحسن تأديبه حيث قال تعالى حكايةً عنه صلى الله عليه وسلم:"قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا" [566] ،فإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنقذ الله تعالى به المؤمنين من النار فأي شيء تحسب نفسك أيها المغرور بعلمك المفتون بمهارتك ومهنتك، أتراك قد استغنيت بيسير العلم الذي حصلت فقمت في مقام:"كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى" [567] ، ألا فلتعلم تمام العلم إذًا أن المرض والشفاء بيد الله عز وجل كما جاء على لسان خليل الرحمن في مشهد تجريد الربوبية في قوله تعالى:"وإذا مرضت فهو يشفين" [568] .
فالواجب على العبد المسلم الطبيب أن يحترز عن مشاهدة الأسباب مشاهدةً تفضي به إلى الإتكال عليها، وأن يجتهد في أن يكون مقام مشاهدة الأسباب هو مقام العبد الذي يحصِّل ما أمره به سيدُه من أسباب ومقدمات ثم يرتمي على عتبة سيده ومولاه راجيًا حصول آثار هذه المقدمات، فهو دائمًا بين طاعةٍ في تحصيل المقدمات ورجاءٍ في طلب آثارها، لا يركن إلى براعة المشرط في يده، ولا إلى قوة الدواء في جعبته، وهكذا أيها الطبيب المسلم تتزين بجوهرة التوكل على الله لتنتظم درةٌ أخرى في عقد حلية العبودية هذه.