فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 1037

فإذا ما تيسرت لك مطالعة مشهد العبودية هذا والتدثر بدثار التوكل والانقطاع عن الركون إلى الأسباب لزمك التحلي بدرةٍ أخرى من درر هذه الحلية ألا وهي التقوى؛ فالتقوى محراب العبودية متى انحرفت عنه اختل العمل بل ربما حبط بالكلية، والتقوى كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مخافة الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل. وقد تتساءل عن مكان هذه المعالم في رحلة الطب ومعالجة الخلق، فأجيبك بأنك أيها الطبيب لا تستغني وأنت تتطلع على عورات الناس وأسرارهم عن مخافة الله ومراقبته، إذ لا يردعك عن الانحراف فيما تتطلع عليه من عورات الناس ولا عن تجاوز حد الضرورة مما لا يحل في الأصل إلا أن تبذر تربة القلب ببذور التقوى لتثمر مخافة الله، فتصونك هذه الثمرة من الانحراف والزلل والتلبس بالإثم من حيث كنت تبتغي الثواب، ثم اعلم أن الله تعالى قد أنزل في جملة ما أنزل من الوحيين نصوصًا وضوابط تصون أجساد الناس وأرواحهم، فلتكن معالجتك للناس عملًا بالتنزيل وصيانةً لأبدانهم وأرواحهم عن أسباب الهلاك المادي والمعنوي كما تضافرت عليه النصوص، ثم اعلم أن ما رضيه الله تعالى لك من منزلة ومقام في سياق المهنة هو الأصلح لنفسك، فلا تحاول أن تتسلق سلم المهنة رجاء منصب أو سمعة أو رياء، بل كن راضيًا بمكانتك ولو كانت في أعين الناس قليلة، فلربما أنك طبيبٌ مغمورٌ غير مشهور ولكنك من جنس الأشعث الأغبر التقي الخفي الذي لو أقسم على الله لأبرَّه، فليكن هذا مقام الرضا بالقليل، وهو إن كان قليلًا في أعين الناس إلا إنه ليس بذلك البتة عند الله عز وجل، وآخر معالم التقوى في هذا المقام أن تستعد ليوم الرحيل، فتعلم أن الله تعالى سائلك عن تلك العورة التي اطلعت عليها لغير ضرورة، وعن ذلك الجسد الذي لمسته لغير ضرورة، وعن ذلك السر الذي اطلعت عليه لحاجة ففضحته ولم تحفظه، وعن تلك الرخصة التي أبحتها لمريض وتلك العبادة التي ضيعتها على آخر دون أن تراعي فيهم لله حقًا ولا للدين فيهم حرمة، فإذا ما تلبست بلباس التقوى هذا فاعلم أنك حينذاك قد تزودت بخير زاد وظفرت بخير معية، أما الزاد فكما قال تعالى:"وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" [569] ، وأما المعية فكما قال تعالى:"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" [570] .

بهذا أيها الطبيب المسلم ترتسم معالم هذا المشهد العظيم، مشهد الانطراح على عتبة الإخلاص طلبًا لرضا المولى، والسير على طريق المتابعة طلبًا لسلامة الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنظر بعين الرجاء إلى سبب الله الموصول، والنظر بعين الازدراء إلى كل ما سواه من أسباب مقطوعة، ثم التشمير والاجتهاد لتجاوز وحشة الطريق بأمن الانقياد لأمر الله وأُنس الطمأنينة إلى رعايته، فإذا بهذه المهنة تستحيل محرابًا من محاريب التبتل ونسكًا من أنساك التقرب إلى الله عز وجل، وهكذا تكون حلية الطبيب المسلم.

الفصل الثاني: حلية العلم

وكفى بالعلم شرفًا أن أشهد الله أهله على أعظم حقيقة في الكون:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم" [571] ، ولكن أي علم وأي علماء؟ من هم أولئك الذين ينالون هذا الشرف العظيم وهذه المرتبة السامية؟

لا شك أن هؤلاء هم العلماء الربانيون، قال تعالى:"ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" [572] ، وإن ربانية العلم لا تتحقق إلا بأمرين؛ أولهما مشروعية العلم المكتسب ( ولا يقتصر مفهوم العلم الشرعي على علوم الشريعة الخاصة وإن كان ينصرف إليها عند الإطلاق) ، وثانيهما العمل بهذا العلم عملَ خشيةٍ لله لا يخاف فيه لومة لائم كما قال تعالى:"إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" [573] ، فإذا ما تحقق العبد بهذين الركنين أصبح عالمًا ربانيًا، بخلاف المتعالم الذي قد يحقق مقومات العلم المعرفية ولكنه بعيدٌ أيَّ بُعد عن تحقيق مقام الخشية عملًا بهذا العلم، وتأمل هذا في حال الطبيب الذي قد يفتح الله تعالى عليه من المعارف الطبية الشيء الكثير ولكنه مسكين، نعم مسكين لأنه لا يحقق بهذا العلم شيئًا من مقام الربانية، فهو بهذا العلم متكبرٌ مستعلٍ طاغٍ كما قال تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى" [574] يظن أنه بهذه المعارف قد فطم نفسه عن مقام الافتقار إلى علم الله الأزلي اللامحدود، فإذا ذكّرته بفضل الله عليه فيما حققه من مرتبة ونجاح:"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسِن كما أحسَن الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين" [575] كان لسان حاله:"قال إنما أوتيته على علم عندي" [576] .

أما مقام الطبيب المسلم الرباني فمعراجٌ آخر وأفقٌ أسمى، إنه مقام الافتقار إلى الله عند ذروة شهود النعمة وتحققها، كما كان حال موسى عليه السلام بعد أن أفاء الله تعالى عليه من نعمائه فقال:"رب إني لما أنزلتَ إلي من خيرٍ فقير" [577] ، إنه مقام من يدرك أن الغِنى عن الشيء لا به، وأن الافتقار إلى الله عين الغنى وأن الاستغناء عنه تعالى هو عين الفقر، ولما كان العلم هبةَ الله تعالى إلى عبده كان عبده منطرحًا على عتبة الافتقار إلى الله تعالى أبدًا، لسان مقاله فيما ينكشف له من العلوم:"قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" [578] ولسان حاله فيما يجري على يديه من نفعٍ وشفاءٍ وجلب مصلحةٍ لمريض ودرء مفسدةٍ عن آخَر قوله تعالى:"وما فعلته عن أمري" [579] وإنما علم من الله وتوفيق للعمل به من الله أيضًا، وهكذا يكون الطبيب عالمًا ربانيًا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت