ومن درر هذه الحلية أن مقام الطبيب المسلم هو مقام مشاهدة عظمة خلق الله تعالى، لا كأولئك الصم البكم العمي الذين يمرون على آيات الله في بديع خلق الإنسان فلا تعود عليهم أنفسهم المقيتة وعقولهم السفيهة بأحسن من نسبة الصنعة إلى الطبيعة، بخلاف الطبيب الرباني الذي يتمثل قول الله تعالى:"والذين إذا ذُكّروا بآياتنا لم يخِرُّوا عليها صُمًا وعميانًا" [580] ، فإن مقام الطبيب الرباني هو مقام:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار" [581] ، ومن جملة هذا الخلق:"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" [582] ومن جملة هذا الخلق:"سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [583] ...
مساكين هم إذًا أولئك الذين ليس لهم من علوم الطب إلا حظ الانتساب إلى القرود [584] ، وليس لهم من مشاهدة عجائب الخلق والتكوين الرباني سوى مشهد الاستكبار الإبليسي، بل إن حال مشركي قريش أقرب إلى الحق من هؤلاء المتعالمين، فلقد قال تعالى:"ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله" [585] ، أما الأطباء المتعالمين فيقولون صنعت الطبيعة كذا وتطور الإنسان من كذا وكذا وينكرون نسبة الخلق إلى الخالق، ولكن ما العجب في ذلك عند من اتخذ الشيطان وليًا ووساوس الشيطان هاديًا، قال تعالى:"إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون" [586]
أما المنهج العلمي للطبيب المسلم فقائمٌ على عدم إغفال جهةٍ على حساب الأخرى، فلا يؤدي إعمال دليل الحس والمشاهدة التجريبي إلى إغفال دليل النقل الشرعي،كما لا يؤدي سوءُ فهم ما وصل بطريق النقل الشرعي إلى تعطيل ما سخره الله تعالى لنا بطريق الحس والمشاهدة العقلي، بل يُنزل كلًا منهما منزلته، بلا إفراط ولا تفريط، ويجمع بين مقام:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا" [587] ، ومقام:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا" [588] ، وبهذا المنهج يدرك الطبيب المسلم الحدود التي يقف عندها العلم التجريبي فلا يُقحمه في الروحانيات والغيبيات، كما يدرك قيمة ما أظهره الله تعالى لنا من غيبيات عن طريق الوحيين - الكتاب والسنة - فلا يؤدي جهله بها إلى استهتاره واستهزائه بها والعياذ بالله، ويدرك أيضًا أن طريق التجربة مهما كان فإنه لا يرتقي إلى مصافِّ القطعيات الشرعية، فيركن مطمئنًا إلى تلك القطعيات، ويحذر من أن يؤتي من قِبل سوء الفهم، وكلما بدا له تصادم أو تناقض الشرع مع العقل اتهم عقله ولم يتهم النص الشرعي البتة اللهم إلا من جهة سوء فهمه وإنما مَردُّ ذلك إلى عقله، فكانت التهمة منصرفةً إلى العقل دومًا بلا ريب، وانظر كيف قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم فقد روى أبو سعيد أن رجلًا أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم فقال:أخي يشتكي بطنه،فقال:اسقه عسلًا. ثم أتاه الثانية ،فقال:اسقه عسلًا، ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلًا،ثم أتاه فقال قد فعلت، فقال:"صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فبرأ [589] . وفي رواية:"إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا" [590] ، فهذا موقفٌ تعارض فيه ظاهر الحس مع ظاهر الشرع، فرده النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى النص لأنه من الله ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولقد نبه ابن قيم الجوزية رحمه الله على أن هذا الحديث يدل على ضرورة أن يكون المريض محلًا قابلًا لهذا الدواء الشرعي وأن يكون مُوقنًا به وإلا فإنه لن يجد فائدته."
والحاصل أن الشريعة وإن لم تكن موضوعة في الأصل لفن الطب، إلا أنها لما كانت موجهةً لطب القلوب ومعافاتها كان للبدن الحاوي لتلك القلوب نصيبٌ من العناية، وكان حريًا بالطبيب المسلم أن يكون ملمًا بما جاءت به الشريعة والهدي النبوي من توجيهات منثورة هنا وهناك تحفظ للأبدان عافيتها كما تحفظها للقلوب، ثم إن على الطبيب المسلم أن يُنزل هذا الهدي النبوي منزلته اللائقة، فيدرك ويوقن ارتقاءها فوق ما تأتي به التجارب والمشاهدات الحسية التي لا تخلو من خطأ أو احتماله، ولقد ذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى كلامًا نفيسًا في هذا المعنى حيث قال:"ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطُرُقية والعجائز إلى طبهم، كما اعترف به حُذاقهم وأئمتهم" [591] ، وإن فهم هذا يسيرٌ عند من يدرك أن طب العجائز والطرقية قوامه الجهل، وأن طب الطبائعيين قائم على علم الحس والمشاهدة والتجربة الذي يتطرق إليه الاحتمال، وأن طب النبوة قائم على الوحي المعصوم فحصل من الاطمئنان إلى هديه صلى الله عليه وسلم في الطب أضعاف أضعاف ما حصل من الاطمئنان إلى طب الطبائعيين نسبة لطب العجائز، فتأمل.
ولما كان علم التجربة والمشاهدة مقتصرٌ في أوليته على ما يشهده الباحث والمجرِّب ومن ثمَّ يكون نشره قائمًا على أساس النقل، كان منهج التحري الدقيق لما يزعم نسبته إلى العلم قائمًا على تحري أمانة النقل وصحة الدليل.