فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 1037

وإنما تعرف صحة النقل بأمانة الناقل ونزاهته، وتعرف صدق الدعوى بالنظر فيما أقيم عليها من حجج، فلا تكن أيها الطبيب المسلم أسير المجلة العلمية الفلانية أو الهيئة الطبية الفلانية تأخذ مقولاتها بغثِّها وسمينها، ولا تميز ضارها من نافعها، فليس كون المجلس الطبي أو العلمي منتسبًا إلى الشرق أو الغرب هو دليل الصحة والأمانة، بل اجعل منهجك قول الحق:"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" [592] ، وأُحذرك أيها الطبيب المسلم من أن تكون حاطبَ ليلٍ أو زاملةَ أخبارٍ لا تميز حقًا من باطل فتُروِّج على المسلمين ما يوافق هوى الأعداء متلبسًا بلبوس العلمِ والعلمُ منه براء، فحذار أن تغرك ترهات فرويد، وحذار أن يغرك كذب داروين، وحذار أن تصدق دعاوى سلامة الفكر الشذوذي [593] بحجة دراسة علمية مزعومة، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يتبيَّن فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق" [594]

وإن من درر هذه الحلية أيضًا أن يحرص الطبيب المسلم على تحقيق الموازنة في تحصيل ما يحتاجه من العلوم الشرعية والعلوم الكونية في سياق مهنته الطبية، فلا يؤدي الانشغال بعلوم الشريعة الخاصة إلى العزوف عن العلوم التجريبية الضرورية لصيانة صحة المريض، كما لا يؤدي الإغراق في ما لا طائل منه والانكباب الكلي على العلوم الطبية التجريبية إلى الزهد في رصيد الهدي الشرعي العظيم في باب الطب، بل يعطي كل علمٍ حقه ويضعه موضعه دون إفراط ولا تفريط، ودون الخلط بين ما يصلح في مقام مع ما يصلح في مقامٍ آخر، وليعلم أنه مؤاخذٌ شرعًا عندما يؤدي تفريطه في ضبط علوم المهنة الخاصة إلى إلحاق الضرر بالمريض أو ربما تفويت المصلحة الأكمل له، فمنزلة الطبيب المسلم من صحة مريضه كمنزلة الوصي في مال اليتيم؛ فلا يكفيه حسن النية في حفظه بل لا بد من أن يجتهد في تحصيل أسباب حماية المال وتنميته وحفظه من الضياع.

ولما كانت مسألة المنهج العلمي بحاجة إلى تفصيل وتحرير فإني أجد من لوزام بيان هذه الحلية بيان معالم هذا المنهج بشيء من التفصيل على النحو التالي:

فصل: المنهج العلمي للطبيب المسلم [595]

إن مهنة الطبيب من أنفع المهن لا ريب، وإن فضل الله عز وجل ومنَّته على من تعلم شيئًا من علوم هذه المهنة فضلٌ عظيم، لما يترتب عليه من النفع الوفير والخير العميم للطبيب والمريض إذا ما أحسن تطويعَ هذا العلم للغاية المحمودة، ولم ينجرف في مهالكه المذمومة، ومعلومٌ أن مهنة الطب يُراد بها من حيث الوضع تطبيب الأبدان والمحافظة عليها، وقايةً مما يضر بها وعلاجًا لما يعتورها من أعراض ضارة، وعند هذا المشهد تجد الخلقَ مفترقين إلى ثلاث فرق هي طرفان وواسطة؛ أما طرف الغلو والإفراط فيذهب في سبيل خدمة البدن والمادة كل مذهب، لا يقف عند حدٍ ولا يرعوي عن الشطط المُلهي عما هو أَولى، وهذا هو مسلك الماديين من عشاق الدنيا وصرعى الهوى، لسان حالهم قوله تعالى:"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر" [596] ، وأما طرف التفريط فقومٌ اعتزلوا الدنيا وحسبوا أنهم يرتقون بالروح حين يطلقون كل أسباب المادة، فزهدوا في الحلال الطيب مما سخره الله تعالى وعزفوا عن توجيهه سبحانه وتعالى:"ألم تر أن الله سخَّر لكم ما في الأرض" [597] فأهلكوا أجسادهم بالحرمان من أسباب صلاحها، بل ربما تفننوا في إنزال صنوف العذاب والأذى بأنفسهم وهم يرتقون بالروح التي لم ولن يعوا حقيقتها ناهيك عن أسباب صلاحها وهذا مسلك الرهبنة المذمومة، وفيما بين مشهدي الإفراط والتفريط كان مشهد أهل الحق كما هو الوصف الثابت لهذه الأمة:"وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا" [598] حيث أذنت - بل حثت - الشريعة على رعاية الأبدان، ولكن دونما غفلة عن الغاية من ذلك ألا وهي حفظ القلب؛ فأنت تجد القرآن الكريم يقرر مرض البدن وينبه إلى مراعاته كما في قوله تعالى:"فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسك" [599] ، ولكن الشريعة لم تقف عند حد البدن بل نبَّهت إلى أمراض أخطر هي أمراض القلوب والتي تنقسم - كما نبه الحافظ ابن حجر والعلامة ابن قيم الجوزية - إلى مرض شُبهة كما في قوله تعالى:"في قلوبهم مرض" [600] ، ومرض شهوة كما في قوله تعالى:"فيطمع الذي في قلبه مرض" [601] ، والشاهد أن أصحاب مشهد الحق من أتباع الرسالة المحمدية قد فازوا بقصب السبق في مجال الطب والعلاج، كيف لا وقد جاءت شريعته صلى الله عليه وسلم جامعةً بين طب الأبدان وطب القلوب، بل إن رعاية الأبدان ما جاءت إلا تبعًا وتكميلًا لحياة القلوب وصلاحها ،قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تُحشرون" [602] ، فليس بطبٍ إذًا ذاك الذي يتعهد الأبدان والأوزان والأحجام فحسب، وليس بطبيب حقًا ذلك الذي يراعي القلب من حيث إنه عضلة والعين من حيث إنها آلة إبصار والأذن من حيث إنها آلة سمع ونحوه، وإنما الطبيب حقًا الذي يحافظ على هذه الوسائل وقايةً لصاحبها من أن ينتهي به المطاف إلى مثل قوله تعالى:"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" [603] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت