فإذا عُلم ما تقدم تبينت ضرورة تحرير الطبيب المسلم لمنهجه العلمي الذي يبني عليه وسائل تشخيص وتقييم وتطبيب مرضاه، والأصل في هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تطبب ولا يُعلم منه طب فهو ضامن" [604] ، فهذا أصل ودليل واضح على ضرورة صدور الطبيب عن علمٍ ، ولهذا وجب تحرير منهج الطبيب المسلم من حيث أنواع الأدلة العلمية الطبية، والجمع بينها عند التعدد، والترجيح بينها عند التعارض، وبهذا تكتمل آلة تحصيل العلوم اللازمة للطبيب المسلم فيخرج من العهدة عند ممارسة المهنة ملتزمًا بهذا المنهج إن شاء الله.
فصل: أنواع الأدلة العلمية الطبية:
ينقسم الدليل العلمي عمومًا إلى خبرٍ صادق أو حسٍ مشاهَدٍ صحيح، قال تعالى:"قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شِرك في السماوات ائتوني بكتابٍ من قَبل هذا أو أثارةٍ من علم إن كنتم صادقين" [605] فأشارت الآية إلى نوعي الأدلة العلمية ؛ فالدليل العقلي القائم على الحس والمشاهدة والتجربة الصحيحة مفقودٌ عند عُبَّاد هذه الآلهة المزعومة حيث لا يوجد خلقٌ خلقوه ولا جزء من الكون يملكونه أو يتصرفون فيه بمشيئتهم فانتفى كونهم آلهة لعدم الخلق وعدم التصرف المطلق، والدليل النقلي الصادق مفقودٌ أيضًا فلا كتاب سماوي سابق ولا هذا الكتاب - أي القرآن - سمى أحدًا إلهًا إلا الله سبحانه وتعالى فانتفى كون غيره إلهًا بطريق النقل أيضًا، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى (أو أثارة من علم ) :"أي دليل بيِّن على هذا المسلك الذي سلكتموه، (إن كنتم صادقين) أي لا دليل لكم لا نقليًا ولا عقليًا" [606] ، انتهى. فأنت ترى في سياق الاستدلال على أعظم حقيقة في الكون - حقيقة التوحيد - أن الآية قد استوعبت أنواع الأدلة في نقل صحيح أو عقلٍ صريح ولا ثالث لهما إلا اجتماعهما ولا تناقض.
فإذا عُلم ما تقدم تمحض لدينا لنا السؤال عن أنواع الأدلة التي تتعلق بعلوم الطب، لا سيما وأن الأصوات والدعوات تتوالى علينا تترى معاشرَ الأطباء من أجل ممارسة ما يُسمى"الطب القائم على الدليل"، ولعمري إن هذه الدعوة قد جاءت عند القوم المتبجح بحضارته متأخرةً الشيء الكثير، ولقد بينّا لك سبْق القرآن الكريم في تقرير أسس العلم المقبول - أعني النقل الصحيح أو العقل الصريح أو هما معًا - فهل أدلة علوم الطب المعتبرة هي أدلة العقل فحسب أم أدلة النقل فحسب أم دليلهما معًا؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال أقول - وبالله التوفيق - إننا حين نؤصل للمنهج العلمي الطبي مفتتحين بالنصوص الشرعية فإننا لا نقصد تزيين كتب الطب وجدران المشافي ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما أننا لا نتكلم عن طبٍ بديل كما يشيع اليوم الاصطلاح على أساليب المعالجة غير التجريبية كالطب الشعبي ونحوه، وإنما نتكلم عن التأصيل العلمي الشامل المستوعب للأدلة العلمية التي خوطبنا بها، إننا نتكلم عن الطب الأصيل حقيقةً، وهذا ما يجب أن يدركه كل طبيب مسلم اليوم؛ فالطب الأصيل هو الذي يراعي شمولية المنهج وشمولية احتياجات المريض، ولا يوجد تضاد في الحقيقة بين الطب النبوي وبين الطب التجريبي المنضبط بل إن الأخير يندرج في الأول ولا عكس، وبيان ذلك أن ما ورد عن طريق الشرع من أدلة تتعلق بمسائل الطب ينقسم إلى نوعين؛ أحدهما عام يتعلق بأصول الشرع المقرِّرة لمبادئ المداواة والموجِّهة للإنسان كي ينظر ويجرب ويستخرج مما سخره الله تعالى له في الكون من وسائل علاج ودواء ونحوه، والثاني خاص ورد في بيان أدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كنموذج تطبيقي لمبادئ العلاج العامة، بل قد يكون لذكر هذه الأدوية الخاصة هدف تشريعي مؤداه أن يبين الشارع للمكلف أنه لا بأس في تعاطي أسباب معينة للاستشفاء من أمراض معينة، وأن هذا لا ينافي التوكل ولا يعارض القدر ولا يمنعه الشرع،كما يشمل هذا النوع الثاني أيضًا بعض ما يتعلق بالأمراض من أمور شرعية كالأحكام الفقهية المترتبة على وجود المرض كطهارة أهل الأعذار، والمسائل الغيبية المتعلقة بالمرض كالثواب والعقاب وغيرها، وأنت ترى أن ما يَرِدُ من مسائل طبية توقيفية عن طريق الشرع يستحيل على طريق العقل بلوغه والكشف عنه مستقلًا،ولعل بعض الأمثلة في سياق البحث توضح ذلك بجلاء. وبمثل هذا التفصيل يمكننا أن نستوعب ما نقلناه سابقًا عن الحافظ العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى حيث قال:"ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطُرقية والعجائز إلى طبهم، كما اعترف به حُذاقهم وأئمتهم" [607] ، نوَّر الله قبره ووسع مدخله.
وحاصل ما تقدم أن الأدلة التي يُتوصل بها إلى علم الطب نوعان: دليلٌ نقلي من مصادر الوحي المعصوم، ودليلٌ عقلي من مصادر الحس والتجربة المحتملة للخطأ والصواب . وأريد أن أنبه إلى أن من العلوم الطبية ما لا يمكن التوصل إليه إلا بطريق النقل أصلًا، ومنها ما لا يمكن التوصل إليه إلا بطريق التجربة والحس والمشاهدة لانقطاع الوحي، ومنها ما يتواتر فيه دليل النقل ودليل العقل فلا إشكال. وببلوغنا هذا القدر من التأصيل والتفريع نكون محتاجين إلى بسط بعض الأمثلة التي توضح ما ذكرنا وتبينه بالمثال.
النوع الأول من الأدلة: دليل النقل:
ونقصد بالنقل بطبيعة الحال ما ورد بطريق القرآن والسنة النبوية، مع ملاحظة أن القرآن الكريم كله يفيد العلم القطعي أما السنة النبوية فلا بد من تحري الصحيح منها والمقبول [608] . هذا وإن الأمثلة عديدة جدًا في هذا الباب وسوف أكتفي بإثبات بعضها، ولكن أعود فأنبه إلى أن ما ثبت من علوم الطب بطريق النقل ينقسم إلى نوعين؛