فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 1037

أحدهما: نوع يمكن ثبوته أو التوصل إليه بالحس والتجربة فيكون دليل النقل فيه موردًا من موارد الإعجاز ومسلكًا من مسالك الهداية إلى ما فيه نفع الناس ومثال هذا النوع ما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذه الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا من السام" [609] فهذا دليلٌ نقلي على وجود خصائص علاجية في الحبة السوداء، وهذا فضلًا عن كونه ثابتًا بطريق النقل فإنه يمكن التعرف عليه عن طريق التجربة والحس والمشاهدة، [610] ولكن طريق النقل أثبته لنا على سبيل الهداية إلى ما ينفع الناس في أبدانهم من جهة، وإلى ما ينفع الناس في قلوبهم ودينهم من جهة أخرى حيث أيَّد النبي صلى الله عليه وسلم بدلائل الإعجاز التي تشير إلى صدور الوحي من الله عز وجل، فتأمل.

والثاني: نوع لا يمكن ثبوته إلا بطريق الوحي المعصوم فيجب الوقوف عنده وعدم التقحم فيه بغير آلة، ولك على ذلك مثال من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الحمى من فيح جهنم ، فأطفئوها بالماء" [611] والشاهد في الشطر الأول من الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم"الحمى من فيح جهنم"خبرٌ صحيح، ولكن هذا المخبر عنه مما لا يمكن التوصل إليه بطريق العقل والتجربة البتة، فتأمل. وأما الشطر الثاني من الحديث فيتناول أحد أنواع العلاج من الحمى ولا يعني أن الماء علاج لكل أنواع الحمى [612] ،فينبغي التنبه لذلك احترازًا من سوء فهم وسوء تطبيق الحديث. ويندرج تحت هذا النوع من الأدلة كل ما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم من الأمور التوقيفية المتعلقة بعيادة المرضى وممارسة المهنة وغيرها، ومثال ذلك ما ورد من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة [613] الجنة حتى يرجع" [614] ، فهذا مما يتعلق بممارسة الطبيب مهنته حيث يجدر به أن يحتسب تفقده المريض في المشفى أو في زيارة منزلية عيادةً يتقرب بها إلى الله تعالى.

النوع الثاني من الأدلة: دليل العقل:

لقد جاءت الشريعة بجواز التداوي، وحثت على النظر والتأمل والبحث عن أسبابه على الأصل من إباحة ما سخره الله تعالى لنا من الطيبات،فلقد قال تعالى:"وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" [615] ، وقال تعالى:"اليوم أُحلَّ لكم الطيبات" [616] ، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً" [617] علمنا أن هذا الإنزال شامل لما نزل على لسان الوحي ولما نزل على سبيل التقدير قضاءً من الله تعالى وهو ما نحن بصدده، وقد تقدم الكلام عن الأول، أما الثاني فيتناول أنواع الأدلة العقلية من حس ومشاهدة وتجربة، ولعل هذا هو الأكثر في مجال العلوم الطبية لأن نصوص الشريعة لم تأت لاستيعاب العلوم الكونية وإنما جاءت موجهةً إليها [618] ، فمن هذه الأدلة ما هو قائم على الحس والمشاهدة كعلم التشريح، ومنه ما هو قائم على التجربة كعلم الدواء والكيمياء وهكذا.

بقي أن ننبه على أمرٍ مهم يغفل عنه كثيرٌ من الناس والأطباء، وهو أن مستند الحس والمشاهدة والتجربة في علوم الطب ينطبق على قلةٍ قليلة من الأطباء والباحثين، وهي القلة التي تقوم بهذه التجارب والأبحاث فعلًا وتباشرها بنفسها، أما السواد الأعظم من الأطباء وأهل الفن فإنما يتلقون نتائج هذه المشاهدات والتجارب عن طريق النقل، كما هو معهود من طريق المجلات والدوريات العلمية والمؤتمرات والندوات والمحاضرات وغيرها من الوسائل التي هي في حقيقتها وسائط نقل أخبار لا وسائط تجربة وحس ومشاهدة، وإذا كان الأمر كذلك فإن التحقق من صحة هذه الأدلة العقلية في أصلها لا يتحقق إلا بأمر من اثنين أو باجتماعهما؛ أحدهما هو التثبت من نفس الدليل العقلي عبر تكرار التجربة والاستشكاف والتوثق من نتائجها، والثاني هو التحقق من صدق الناقل عبر تحرير صفات الأمانة والعدل التي تمنع الناقل من الكذب فيما يخبر عنه، فإذا اجتمعت الوسيلتان كان أثبت وأضبط بلا ريب. ولهذا وجب عليك أيها الطبيب أن تكون فطِنًا، فلا يُغرر بك مقال في مجلة طبية مرموقة، ولا نتائج بحث تصدره منظمة دولية، ولا قرارات اجتماع طبي أساسها الرأي المحض، بل اعلم أن كل ما يأتيك خبره من علوم طبية حديثة متجددة فهو خاضع للبحث والتثبت بإحدى الوسائل السابقة، والحق أن هذا الأمر - أعني التثبت من الأخبار الطبية - يستلزم منا وضع منهج متكامل نعرض عليه ما يردنا من أخبار في هذا المجال لنحكم عليه بالصحة أو القبول المبدئي أو الرفض، ولعله يرد لاحقًا إن شاء الله تعالى.

فصل: العلاقة بين دليل النقل والعقل في علوم الطب:

إذا تقرر ما سبق برز التساؤل حول علاقة دليل النقل والعقل ببعضهما البعض في مجال العلوم الطبية،ولما كان تحرير هذه المسألة مهمًا فإننا نعرج عليه بإيجازٍ فيما يلي حيث نبين أهم معالم هذه العلاقة:

أولًا: التوافق والتكامل:

فأنت إذا علمت أن دليل النقل مصدره الوحي المعصوم وهذا راجع إلى الشرع، ودليل العقل مصدره الحس والتجربة الصحيحة وهذا راجعٌ إلى نواميس الخلق ، وعلمت أن كلًا من الشرع والخلق صادرٌ عن الحق سبحانه وتعالى، بان لك استحالة وقوع التعارض أو التناقض بين دليل عقلي صريح وخبر نقلي صحيح. وكل ما يعرض لك مما ظاهره التعارض راجعٌ إلى توهمِ معنى غير صحيح في صحيح المنقول، أو توهم دليل عقلي لا يرتقي إلى درجة القطع، أما أن يقع التعارض حقيقةً بين معنى صحيح لخبرٍ صحيح وبين معنى صحيح لعقل صريح فممنوع عقلًا وشرعًا وحسًا.

ثانيًا: دليل النقل في باب الطب معظمه مجمل ودليل العقل في باب الطب معظمه مفصل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت