بمعنى أنك تجد في مجموع ما ثبت من النصوص الشرعية أصولًا عامة لمبادئ الطب مع جملة يسيرة من تفاصيل العلاج والاستشفاء، في حين تُرك تفصيل واستكشاف تفاصيل الأدوية والعلاج للعقل البشري يشاهد ويستنبط ويستفيد من تسخير الله تعالى لهذا الكون الفسيح له. ويجدر بنا أن نشير في هذا المقام إلى كلامٍ نفيس للحافظ ابن حجر في شرح مقدمة كتاب الطب للإمام البخاري، يقول عليه رحمة الله:"فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى إلى تفريقِ ما يضر بالبدن جمعُه أو عكسه [619] ، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه [620] ، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة والاحتماء عن المؤذي واستفراغ المادة الفاسدة، وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن ؛ فالأول من قوله تعالى"فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيام أُخر" [621] وذلك أن السفر مظنة النصَب وهو من مغيِّرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفِطر إبقاءً على الجسد، وكذا القول في الثاني وهو الحمية من قوله تعالى:"ولا تقتلوا أنفسكم" [622] ، فإنه استُنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، والثالث من قوله تعالى:"أو به أذى من رأسه ففدية" [623] فإنه أُشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي مُنع منه المحرم لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس" [624] اهـ. قلت: فهذه كما ترى أمور ومبادئ مجملة، وليس القرآن الكريم ولا السنة النبوية كتاب طب أو صنعة أو مهنة، وإنما هو كتاب توجيهٍ وإرشادٍ، فحسبك أمثال هذه النصوص من القرآن الكريم كي تنطلق في رحاب الكون الفسيح منقبًا عن نواميسه، مسخِّرًا لما فيه من أسباب قدَّرها الله تعالى لتكون مقدمات البرء أو وسائطه بإذن الله، وما هذه التفاصيل والجزئيات المتجددة يوميًا في عالم الطب إلا ثمرة من ثمار نعم الله تعالى علينا، لولا أنها يعوزها التنقيح والتجريد لفصل الصالح من الطالح كما هو موضوع هذه الرسالة.
ثالثًا: دليل النقل حاكمٌ على دليل العقل:
ولكن تبقى لمسألة العلاقة بين النقل والعقل أهميةٌ خاصة لمن عزم على هذه الانطلاقة - أعني الاستكشاف العقلي التجريبي - ألا وهي دور النقل في وضع ضوابط وحدود البحث والتطبيق العقليين ؛ فلا يجاوز حدود الحلال إلى الحرام، ولا يأتي بمنهجٍ أو طريقٍ علاجي يعارض أوامر الشرع أو يقارف مناهيه. تأمل معي ما ورد في الحديث أن طارق بن سويد الجُعفِي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها ، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال:"إنه ليس بدواء ولكنه داء" [625] ، وذكر البخاري في صحيحه بتعليقٍ جازم:"قال ابن مسعود في السَّكَر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حُرِّم عليكم" [626] ، والشاهد من هذه النصوص أن على الطبيب المسلم أن يلتزم في منهج البحث العلمي التجريبي أمرين؛ أحدهما الانطلاق من قواعد الشرع الثابتة فلا يتقحم الحرام ابتداءً، وثانيهما أن ما قد يتوهمه البعض من وجود الشفاء في المحرمات ليس إلا وهمًا باطلًاَ، لما تقدم من أن الله تعالى لم يجعل الاستشفاء المباح في ما منعته الشريعة من الحرام وإلا كان هذا تناقضًا من جهة الشارع وهو ممنوع قطعًا، والنكتة في المسألة أن تعلم أن ما قد يُتصور من نفع طبي في مادةٍ محرمة قد تكون موجودة في الواقع وفي نفس الأمر، ولكنها تُعتبر مصلحة أو منفعة ملغاة بحكم الشرع فلا يُلتفت إليها، أي أن وجودها وعدمه سواء، ودليل هذا قوله تعالى في الخمر والميسر:"قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر نفعهما" [627] ، فالنص يثبت وجود منفعة يسيرة ولكنها ملغاة،ومعلوم أن حكم الشرع قد استقر على تحريمهما فلم تلتفت الشريعة إلى هذا النفع اليسير وأسقطته من الاعتبار. وهذه الضوابط كما تنطبق على وسائل الاستشفاء فإنها تنطبق أيضًا على النظريات الطبية، فلا يمكن قبول نظرية طبية تصادم النصوص الثابتة، ولا يمكن جعل هذه النظريات منطلقًا لأي منهج علاجي البتة.
ولعل من المناسب في هذا المقام أن نشير إلى بعض النماذج التطبيقية للخلل الناجم عن عدم الانضباط بضوابط الشرع في مجال الوقاية والعلاج والنظرية والبحث الطبي ؛ فأما أنموذج الوقاية فمنه ما تروجه بعض الدوريات الطبية من نتائج أبحاث تشير إلى دورٍ وقائي للخمر من بعض الأمراض، وأما أنموذج العلاج فمنه إيهام الأطباء والناس عمومًا أن علاج مصيبة الأمراض المنتشرة جنسيًا يكون بتحسين وسائل الاتصال الجنسي المحرم، ومعالجة آثاره بالعقاقير دون الالتفات إلى العلاج الجذري لهذه المصائب، وأما في مجال النظرية العلمية فحسبك فضائح الفرويدية وفضائح المؤصلين للشذوذ الجنسي باعتباره"سلوكًا بشريًا طبيعيًا"خابوا وخسروا، وأما في مجال البحث الطبي فها نحن نسمع ونرى كل يوم ما تتفتق به عقول ومختبرات القوم ممن لا ينضبطون بحدٍ شرعي، ولا يقفون عند حدٍ في أبحاثهم، فمِن استنساخ جنينٍ بشري إلى التلاعب بمورثات الأجنة إلى استئجار الأظآر وهكذا. ولا يخالنَّ أحد أن مقصودنا الحجر على البحث العلمي كلا، بل المقصود الانطلاق من قواعد علمية سليمة - بما في ذلك القواعد العلمية الشرعية - والانضباط بحدود المباح والمشروع، حتى لا نواجَه بنوازلَ فقهية وانحرافاتٍ تطبيقية، ثم نتهافت على دور الفتوى بحثًا عن مخارج فقهية لنوازل غريبة عن عقيدتنا ومنهجنا وشريعتنا.
فصل: تحرير القول في التوثق من أخبار علوم الطب التجريبية: