تقدم معنا أن جلَّ العلوم الطبية وإن كان قائمًا على دليل العقل من بحث وحس ومشاهدة، فإن طريق معظم الأطباء إلى هذه الأدلة هو طريق النقل، وإذا كان الحال كذلك فلا بد للطبيب المسلم من أن يتسلح بمنهج أو معيار يستطيع من خلاله الحكم على هذا المنقول، لاسيما وأن آلة العلم اليوم من أهم وسائل الاختراق العقدي والفكري لمجتمعاتنا المسلمة، وفيما يلي بيان بعض معالم هذا المنهج:
أولًا: معرفة الثوابت العقدية والأصولية في ديننا الإسلامي العظيم:
إن الحكم على أي شاردة أو واردة لا يتم إلا بمعيارٍ نقيس به إمكان صحة المخبَر عنه، بمعنى أن الخبر إذا تعارض مع ما هو مقطوعٌ به شرعًا لم يُقبل كائنًا من كان قائله، وعلى سبيل المثال لا الحصر نقول إن من الثوابت الشرعية ثبوت تحريم اللواط، وهذا التحريم تكليف، والقاعدة في الأصول أن التكليف بما لا يطاق ممتنع [628] استنادًا إلى قوله تعالى:"لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها" [629] ، فإذا جاء خبرٌ عن دراسة أو بحث أو كشف منسوبٍ للعلم يزعم أن اللواط أمر طبيعي، ولا يمثل إلا مظهرًا من مظاهر التعبير الطبيعي عن الميول الجنسية الغريزية للإنسان، [630] رُدَّ هذا القول جملةً وتفصيلًا، تأمل معي قوله تعالى:"فلما جاء أمرنا جعلنا عاليَها سافِلَها وأمطرنا عليها حجارةً من سجّيلٍ منضودٍ. مُسَوَّمةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد" [631] ، وهل يعذب الله تعالى بهذا العذاب البئيس أناسًا يعبِّرون عن ميولهم الجنسية تعبيرًا طبيعيًا؟ كبُرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا..
ثانيًا: تحقيق صفة من يُقبل خبره:
والحقيقة أن جهابذة علماء الحديث قد وضعوا أدق منهجٍ علمي للتثبت في الأخبار عُرف على وجه الأرض، وليس المقام مقام تفصيل في ذلك، ولكن لنا صفتين اثنتين لناقل الخبر يجدر بالمسلم أن يتشبث بهما وهما العدالة والضبط. أما الضبط فيعود إلى الإتقان والدقة في العزو والنقل، وهذا مقرر في المنهج البحثي المعاصر بحيث لا يُقبل الكلام المجرد عن دليله أو مصدره، كما أنه مقرر في المناهج العلمية المعاصرة التي تنظر في الدراسات والأبحاث القائمة على الأساليب الإحصائية للتحقق من نسبة احتمال الخطأ في النتائج المتوصل إليها، وليس الأمر بدعًا من الأمر، كما أن ليس لأسلوب التحقق من الدقة والضبط حصر، بل لك أن تستعمل أي أسلوبٍ منضبط للتحقق من صحة النقل ومدى قطعية النتائج أو تسرب الاحتمال إليها. وهذا المعيار معيارٌ مستقل عن معيار العدالة، والعدالة مردُّها إلى مدى الوثوق بأهلية الناقل لتحمُّل الخبر، وأدائه على الوجه الصحيح دون ميلٍ أو هوى أو تحريف أو حذفٍ مُخِل، بحيث إذا تخلفت صفة العدالة والأمانة والنزاهة عند الناقل أو كان معروفًا بكونه صاحب فكرٍ أو اعتقاد يهدف للترويج له تُوقِف في خبره، ولا أقول أن خبره يُردُّ مباشرة، وإنما يُتوقف فيه لتسرب احتمال الكذب والإيهام إليه، بحيث يتلقى الطبيب المسلم هذه المعلومة بعين الفاحص الناقد البصير، وليستعِن بمن تتعين الاستعانة به من أهل الخبرة والفن الثقات والعدول من أجل التوصل إلى حكمٍ صحيح على هذا الخبر. ولعلك بناءً على ما تقدم تطالب بالدليل على وجوب سلوك هذا المنهج، فأحيلك إلى قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا" [632] ، وإذا كان هذا في الفاسق فالكافر أولى [633] ، وإلى قوله تعالى:"وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا" [634] ، وهنا تنبيه مهم جدًا لعلك تلمسه في حياتك اليومية أيها الطبيب المسلم، وهو أن مسألة عدالة الطبيب والتوثق في خبره ألصق بما يتخذه الطبيب من قرارات طبية لأفراد المرضى منه بعموم المنهج العلمي، فأنت قد تستعيض عن عدالة ناقل الخبر بغير ذلك من وسائل التثبت والتحقق، ولكن حين يتعين الخبر من الطبيب فيما يوصي به المريضَ من مداخلاتٍ طبية قد تترتب عليها جراحة [635] في البدن أو فوات في النفس أو انتقاص في العبادة لأجل رخصة في غير محلها ونحوه فهذا أمرٌ آخر، ولأهل العلم كلام طويل في هذا، ولكن الشاهد أن مهنة الطب ليست مجرد كتابة دواء، أو بتر قدم، أو منع مريض عن الصيام والقيام دون التورع عن اقتحام حقوق العباد وحدود رب العباد، كما أن الطبيب ليس حاطب ليلٍ ينقل لمرضاه ما لا يميز سقيمه من صحيحه، أو قل ليس هذا شأن الطبيب المسلم الذي يخاف الله تعالى.