وهنا استدراك لا بد منه، وهو أن معظم أو أكثر الباحثين والأطباء وذوي الخبرة والاختصاص في مجال الطب اليوم هم من الكفار، فإذا سلكنا المنهج المتقدم وتوقفنا في قبول علومهم لمجرد كفرهم آل ذلك إلى تأخر ركب العلم لدينا وتعطيل الاستفادة مما توصلوا إليه من علوم، وجواب هذا الإشكال أن عدالة الفرد يمكن الاستعاضة عنها بالتواتر، ومعنى هذا أن تواتر الكثيرين على نقل خبرٍ ما مستنده الحس والمشاهدة يسد مسد التحقق من عدالة الناقل الفرد لأن شبهة الكذب تتضاءل، فنحن اليوم عندما نأخذ دراساتٍ علمية حول علاج التهاب السحايا بالمضادات الحيوية، نجد أن الأبحاث العلمية الطبية من الشرق والغرب ومن الدول النصرانية والملحدة والوثنية تجتمع على نفس النتائج، فهذا التواتر والنقل والاستفاضة في الخبر يسد مسد عدالة الناقل الواحد، ويبقى مكان الاحتراز من الخبر العلمي أو البحث العلمي عندما تتفرد مجموعة قليلة من الباحثين بنتائج أو توصيات غريبة، لا سيما إذا توافقت هذه النتائج مع برامج خفية لحرب العقيدة الإسلامية، فهنا يجب التوقف والتحري والاستقصاء قبل أن نأخذ الأمور كما هي، وها هي السياسات الصحية اليوم تُرسم في مجتمعاتنا معتمدةً على تنظير أقوامٍ ليس لهم من همِّ العناية بنا إلا الإفساد والإتلاف إن تعذر الاستبداد والاستغلال، ولعلك تحتاج أن تقرأ ميثاق حقوق الطفل العالمي وتوصيات مؤتمر السكان العالمي لتُلمَّ بشيءٍ من ذاك الذي يُحاك بلَيل، لتعرف دورك أيها الطبيب المسلم في مناصحة القائمين على التخطيط والتسييس والتقعيد للسياسات الصحية في مجتمعك!
فصل: مرابطة الطبيب المسلم على ثغره:
نعم، هذا هو المنطلق اليوم لمن أراد أن يتبوأ مقعده في منظومة الدفاع عن العقيدة، إنه منطلقٌ حاصله ألا يؤتى الإسلام والمسلمون من قِبَلِك، فأنت أيها الطبيب المسلم أعظم دورًا من أن تنشغل برتبٍ وظيفية وترقيات مهنية، والدور المنوط بك اليوم - كالدور المنوط بإخوانك وأخواتك - أكبر وأعظم من الانشغال بحظوظ النفس وأهوائها، ولذا عليك أن تلتزم بهذا الرباط وقوامه أمران؛ رباط علمي وآخر عملي.
أما رباطك العلمي فأن تأخذ أنت زمام البحث والتجربة والاستكشاف الصحيح، ولا تقنع بمجلس المتلقي، وأن تأخذ على عاتقك مهمة صد الدخيل من سهام الفكر والمعتقد المتلبسة بلبوس العلم، فتكون حارسًا لمجتمعك المسلم، تنبه أفراده ومسؤوليه إلى الدس والكيد المغلَّف، وأن تعيد لكل ذي قدرٍ قدره فتدرك آلية الموازنة الصحيحة بين توجيه الوحي وبين ما سخره الله تعالى من مفردات الكون ونواميسه، فلا يكون حالك البتة كحال ذلك الهالك:"قال إنما أوتيته على علمٍ عندي" [636] ، ولا يعميك بريق العلم الكوني عن الاعتراف بالمِنة والفضل لواهبه حتى لا تكون ممن قال فيهم الله تعالى:"يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" [637] .
وأما رباطك العملي فأن تستحضر في كل يوم تزاول فيه مهنتك ما أنت عليه من ثغر، وما هو منوط بك من مسؤولية، وتجعل من وقتك وجهدك ما هو مصروف للتحصُّن العلمي والتواصل مع إخوانك في المهنة وأهل العلم، ثم التطبيق العملي لكل ما ذكرنا، وتذكر أن ميدان عملك المباشر يتمثل في المريض الذي أسلم أمره - بعد الله تعالى - إليك، ووثق بك وحمّلك أمانة رعاية جسده الذي هو قالب قلبه، فارعَ الأمانة رعاك الله، وتأمل حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية فلم يَحُطها بنُصحه لم يجد رائحة الجنة" [638] ، وإن الله سائلك عما استرعاك واستأمنك، فإذا وصلت إلى هذا الحد، فارتق بطموحك درجةً أخرى لتبحث عن موطأ قدم تقف فيها إلى جانب المنافحين عن هذا الدين بكل ما يملكون، فإن لهم في طِبِّك حظٌ ونصيب، بل حظهم آكد ونصيبهم أشح، والله تعالى أعلم. نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يسددنا ويتقبلنا ويوفقنا للعمل في خدمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. [639]
الفصل الثالث: حلية الأخلاق والمعاملات
لا يخفى على المشتغل بالطب دراسةً ومهنةً أن مدار عمله على التعامل مع الناس، وإنما جاءت أخلاق الإسلام لتضبط تعامل المسلم مع غيره، ولتجعل هذا التعامل خاضعًا لمنهج طاعة الله عز وجل ومتوجهًا لطلب مرضاته، وبهذا المعنى كاد يقتصر غرض البعثة على تأصيل وتكميل منظومة الأخلاق، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق" [640] .
وإن حياة الطبيب المهنية تنقسم إلى شقين رئيسين، تتناول كل منهما مجموعة من الأخلاق والسلوكيات والأدبيات المميزة، فالشق الأول هو تعامل الطبيب المسلم مع غيره من الأطباء مسلمين وغير مسلمين، والشق الثاني هو تعامله مع المريض مسلمًا كان أم غير مسلم، ولا يخفى أن لكل حالة من هذه الأحوال خصوصيات تتميز بها ومبادئ شرعية تضبطها كما نبين بإذن الله.
أولًا: أخلاق الطبيب المسلم مع زملائه:
لا ينفك الطبيب يتعامل مع زملاء له في الدراسة والمهنة، فهو تارةً يلتقي بهم في مجالس الدرس والتعلُّم، وتارة يلتقي بهم في تدبير بعض المرضى، فلا يكاد يخلو عمل الطبيب أبدًا من تعامل مع غيره، فكان لا بد لهذا التعامل من ضوابط وآداب ينضبط بها ولسوف أتناول بعضها فيما يلي: