4-عدم كتم العلم: فالعلم إنما يسره الله تعالى لينتشر بين الناس فيعوه، ويهتدوا به إلى الحق وإلى طريق مستقيم فيلتزموه، فأصبح لزامًا علينا أن نعمل على نشر العلم الصحيح، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سُئل عن علم علمه، ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" [648] ، ولا يخفى مدى ذم وتوبيخ أهل الكتاب لكتمهم العلم الذي آتاهم الله تعالى:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون" [649] ، والثمن القليل الذي يسعى وراءه الطبيب بكتم علمه لا يخرج عن عرض من أعراض الدنيا وهوى من أهواء النفس المريضة؛ فهو يكتم علمه ليتفوق على زملائه أو ليحتكر صنعة يعرفها أو ليتفرد بمركز علمي ما، وهي أغراض لَعمري رخيصة في عين من يستحضر ميثاق الله تعالى الذي أخذه على أهل العلم الشرعي أصالةً - وعندي أن أهل كل علم مشروع يدخلون فيه تبعًا- فاحذر أيها الطبيب المسلم من نكث العهد ومن استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، واعلم أن هذا الأصل يلازمك في شتى مراحل حياتك المهنية الطبية من مرحلة العلم والتعلم إلى مرحلة العمل والخبرة ، وإن شر العلماء من يحبسون علمهم ليموت بموتهم ويفقد بفقدهم. وأشير في هذا المقام إلى مدى الشطط الذي بلغته"الحضارة"الغربية فيما اصطلحوه من"حقوق التأليف والاختراع"بحيث صارت بعض العلوم محتكرة على أصحابها رغم شدة حاجة الناس إليها، ولست أنكر حق المخترع والمؤلف بالكلية وإنما أشير إلى روعة الإسلام في إهدار النفع الخاص عندما تؤدي مراعاته إلى الضرر العام، وانظر على سبيل المثال احتكار شركات الدواء لحقوق تصنيع بعض الأدوية وبالتالي التحكم بأسعارها واستغلال احتكارهم هذا لنفعهم الخاص [650]
5-الستر على زملائه الأطباء: إن من المعلوم أن مجال الطب مجال اجتهاد واسع، وقد يجانب الطبيب التوفيق أحيانًا في اختيار علاج أو تشخيص حالة أو قد يستعصي عليه الأمر بالكلية، بل قد تقع منه أخطاء يسيرة لا تضر في نفس الأمر، فيجب على الطبيب الذي يقع على شيء من أخطاء زملائه التي لا تضر في نفسها أن يستر على أخيه بما لا غش فيه للمريض ولا ضرر، بخلاف ممارسة بعض الأطباء الذين لا يلبثوا أن يكتشفوا زلة يسيرة لطبيب آخر حتى يبادروا إلى تجريحه واتهامه في علمه وفهمه وتوهين ثقة المريض به، ويتظاهر هذا المجرِّح بأنه يريد مصلحة المريض بل ووجه الله أحيانًا، وهو في حقيقة الأمر لا يريد إلا إسقاط ذاك الطبيب من عين المريض، عسى أن يعزز ذلك التجريح من مكانته هو في عين المريض والمجتمع، وغاب عن هذا المسكين فضلٌ عظيمٌ هو خيرٌ له من حطام الدنيا الذي يلهث وراءه، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" [651] ، وأعود فأنبه إلى أن محل الستر ها هنا هو فيما لا يضر بالمريض مما هو مسلكٌ سائغ في مجال الطب وإن كان خلاف الأولى، أو كان خلاف مسلك طبي آخر مما هو مغتَفَر في نفس الأمر، أما إذا كان الخطأ مما يضر بالمريض أو يستلزم كشفه له فمحل الستر هنا هو عدم الإفراط وتجاوز الحد في اتهام الطبيب، وإنما البيان على قدر الحاجة، فتنبه إلى هذا الخُلُق فإنه بين الأطباء اليوم نادرٌ جدًا.
6-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن طبيعة تصرفات الطبيب وما يترتب عليها من أمور تؤثر على كثيرٍ من الناس، توجب على معاشر الأطباء أن يكون كلٌ منهم عونًا لأخيه، ينبهه حين يغفل ويصوبه حين يزل، وما ذلك إلا تفاديًا للعواقب الوخيمة الناجمة عن رؤية الخطأ والسكوت عنه، ولا يستشكل هذا مع ما سبق من خُلُق الستر، فقد بينا أن ضابط الستر هو فيما لا يضر بالمريض، بحيث يستر على الزلات اليسيرة لزملائه الأطباء التي لا يترتب عليها ضرر وإنما تكون تفويتًا للأكمل والأفضل [652] ، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بين الطبيب وأخيه الطبيب، وإنما اصطلحت على هذا السلوك التناصحي الإصلاحي في ميدان المهنة بالاصطلاح الشرعي المشهور"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"ليتقرر في نفس كل طبيب مسلم أن هذا التعامل المهني الراقي هو من جنس هذا الواجب الشرعي، فيجب أن ينطلق من نفس الدوافع ويتأطر بنفس الأطر وتراعى فيه نفس المصالح والمفاسد؛ وتوضيحًا للأمر أقول إن توجيه الطبيب المسلم أخاه إلى سلوك مهني صحيح أو تنبيهه على خطأ أو زلة مهنية يجب أن يكون منطلقًا من دافع الحرص لا من دافع التجريح والإحراج، كما يراعى فيه اللين واللطف والأدب بعيدًا عن ألفاظ الأذى والتسفيه والتجهيل، كما أن اختيار ما يوجه أو ينبه إليه يجب أن يكون مما تترتب عليه مصلحة أو يندفع به أذى لا أن يكون نقدًا لمجرد النقد، وبمثل هذه الأخلاق يتجرد الطبيب المسلم من داعية هواه ويحتسب على هذا العمل مثل ما يحتسب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشرعي من الأجر والمثوبة إن شاء الله.
ثانيًا: أخلاق الطبيب المسلم مع مريضه: