فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 1037

لا يخفى أن محور الحياة المهنية اليومية للطبيب قائمٌ على التعامل المستمر مع هؤلاء المرضى، وإن واجب الطبيب المسلم التحلي بالأخلاق الإسلامية في سياق هذا التعامل بغض النظر عن معاملة المريض له؛ وعلى الطبيب أن يدرك أن المريض الذي يتعامل معه يمر بظرف طارئ قد يفضي إلى بعض التصرفات القولية أو الفعلية غير المناسبة، وليكن الأصل في التعامل مع المريض في حالات ضعفه ومرضه قوله تعالى:"واخفض جناحك للمؤمنين" [653] ، فإنه الوصف الأليق بالمؤمنين الكُمَّل الذين جاء وصفهم في القرآن:"فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين" [654] ، وقال تعالى:"محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" [655] ، فعلى الطبيب المسلم أن يلين جانبه ويتواضع لمريضه المسلم ويحتمل منه ما قد يتفلت منه من سوء تصرف ويتعبد الله تعالى في ذلك. وليكن دأب الطبيب المسلم هذا اللين والرفق والتواضع حتى مع المريض غير المسلم ما لم يكن هنالك مانع شرعي من ذلك، إذ ليس المراد الاستدلال بالآيات على تعنيف المريض غير المسلم ونحوه بل إن مقام العزة على الكافر ليس هذا محله، فالمريض أيًا كان أمره ودينه يكون في حالة انكسار أدعى ما تكون للين الجانب والرفق، وإنما أكدت على ذلك مع المريض المسلم لأنه داخلٌ في إطار الحقوق والالتزامات بين المسلمين بعضهم البعض، ولننظر على سبيل المثال كيف كان خُلُق الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المريض غير المسلم حتى لا تشتبه علينا الأمور أو نتوهم خلاف المشروع، فعن أنس رضي الله عنه قال:كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار" [656] ، فأي رِفق ولينٍ ورحمةٍ أشد من هذه التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيادة ذلك الصبي اليهودي ؟ إنه رفق ولين طبيب القلوب بل سيد الأطباء، وهكذا ينبغي أن يكون الطبيب المسلم مراعيًا لأكمل مصالح مريضه، وخافضًا له جناحه ومحتملًا في الله ما قد يصدر عنه، وإنها نفس الرحمة واللين الذين يسلكهما الداعية إلى الله وهو يخاطب فئام الناس على اختلاف مشاربهم، وهو يتمثل قول الحق سبحانه وتعالى:"ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك" [657] .

إن المقدمة السابقة تشير إلى وجود أصولٍ عامة يجب أن يتحلى بها الطبيب المسلم في تعامله مع كل المرضى، ثم إن هناك مجموعة من الآداب الخاصة التي يتحتم على الطبيب المسلم مراعاتها مع مريضه المسلم خصوصًا لأنها تتعلق بها جملة من الأحكام الشرعية فوجب التنبيه عليها. وفيما يلي بيان لبعض درر هذه الحلية إن شاء الله:

1-التواضع:

قال الله تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى" [658] والطغيان هو المجاوزة في الحد، ولا شك أن ما يحصله الطبيب من علوم يتفوق بها على كثير من الناس قد تكون مظنة الزهو والاستعلاء الفارغ على الناس، بحيث لا يخاطبهم إلا من عِلٍّ ولا ينظر إليهم إلا بأنف شامخ وكأنه غفل عن قول الشاعر:

ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ والفارغات رؤوسهن شوامخُ

فعلى الطبيب المسلم أن يتواضع ويدرك فضل الله تعالى عليه بهذا العلم، وأنه إنما أوتيه بفضل الله ومنته، لا بفضل نفسه أو ذكائه كما قال قارون حين ذُكِّر بفضل الله عليه فيما آتاه من مال:"قال إنما أوتيته على علم عندي أوَلم يعلم أن الله قد أهلك مِن قبله من القرون من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعًا ولا يُسئل عن ذنوبهم المجرمون" [659] ، وإني لأذكر عندما كنا في الولايات المتحدة كيف كان يتطاول بعض المجرمين ممن ينتسبون إلى هذه المهنة فيقولون متباهين بعلمهم وبطبهم وبتخصصاتهم الدقيقة أنهم"إله"هذا الفن أو الاختصاص أو يقوله عنهم بعض السفهاء من تلاميذهم والمبهورين بهم فلا حول ولا قوة إلا بالله [660] .

2-مخاطبة المريض بما يفهم:

والحقيقة أن هذا أصل شرعي في الخطاب التعليمي كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها قالت:"كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامًا فصلًا يفهمه كل من سمعه" [661] ، وقال علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله" [662] ، ذلك أن الهدف من مخاطبة المريض تفهيمه ما يحتاج إليه في مرضه وعلاجه، ولس الهدف إظهار ما عندك من العلم أو الظهور على المريض والاستعلاء عليه ببعض الكلام الاصطلاحي، أو التشدق ببعض الكلام الأجنبي كما هو شائع اليوم، فعليك أيها الطبيب المسلم أن تخاطب المريض بما يستطيع فهمه لا بما تستطيع قوله، وحذار أن تُشعر المريض بالحرج أو الاحتقار إذا سألك أو استفصل منك عن كلامٍ قلته له، بل عليك أن تفسح المجال للمريض أن يسأل ويستوعب ويفهم ليخرج من عندك قرير العين مجبور الخاطر، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كان لا يُعنِّف سائلًا ولا يحتقر مسألةً ولا يهون من شأن أحدٍ البتة، مع علمك بأنه كان يَرِد عليه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم الصحابي والأعرابي، الغني والفقير ، العزيز والحقير، المرأة والصبي والشيخ الكبير، وكلهم يصدر عنه وقد أجاب مسألته وراعى خاطره وخاطبه على قدر حاجته، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

وأنبه إلى مسألة أخرى وهي أن المريض قد يُلغز إليك بالسؤال استحياءً من التصريح به، فعليك أن تكون نبيهًا فطنًا فتستفصل عما يُحرج المريض، وتطمئنه إلى أنك أهلٌ ومحل للثقة حتى لا تفوِّت عليه مسألته أو تخل بمصلحته.

3-مراعاة مصلحة المريض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت