فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 1037

إن من يتأمل في علم القواعد الفقهية يتعجب أيما عجب من ذلك المنهج الدقيق الذي وضعته الشريعة الإسلامية في تحديد وترجيح مصالح المكلَّفين، وفي منهج تحرير الاجتهاد والفتيا الذي سلكه فقهاؤنا وعلماؤنا رحمة الله عليهم لما يطرأ عليهم، ويرى أنه عين المنهج الذي يحتاج أن يلتزمه الطبيب المسلم وهو يتحرى نفع مريضه وصلاح بدنه وجسده الذي يطببه، فأنت إذا رجعت إلى القاعدة الفقيهة المشهورة:"لا ضرر ولا ضرار" [663] وهي إحدى قواعد الفقه الكلية الخمسة التي ينبني عليها الفقه الإسلامي، ثم تأملت في القواعد المتفرعة عن هذه القاعدة الكلية رأيت كل ما تحتاجه لضبط قراراتك الطبية، لا سيما في الحالات المرضية المعقدة، وسوف أسرد لك هذه القواعد لتتضح لك الصورة ولتثلج صدرك بروعة التشريع والمنهج الإسلامي، وأهم هذه القواعد ما يلي:

1-القاعدة الكلية: لا ضرار ولا ضرار

2-الضرر يُزال

3-الضرر لا يُزال بالضرر

4-الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف

5-إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما

6-درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

7-الاضطرار لا يُبطل حق الغير [664]

فهذه أهم القواعد الفقهية في هذا الباب، ولسوف أشير دون إطالة إلى نماذج تطبيقية سريعة تبين لك دور هذه القواعد في القرار الطبي العلاجي؛ فتطبيق قاعدة الضرر يُزال يدفعك لرفع آثار المرض عن المريض ، في حين إن قاعدة الضرر لا يُزال بالضرر تمنعك من أن تعالج خَرَّاجًا يسيرًا في طرف من الجسم ببتر ذلك الطرف، أما قاعدة الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف فتسمح لك إعمال المبضع لشق ذلك الخراج مع ما في ذلك من ألم وخرق لأنسجة الجسم، أما إذا تحول الخراج إلى نسيج متموت يضر بالجسم ( كالغرغرينا ) فهنا تطبق قاعدة"إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"فيجوز بتر العضو إذا خيف على باقي الجسد من الهلاك، وهكذا الحال عند مرضى السرطان الذين يحتاجون لأدوية ذات أضرار جانبية شديدة فتحتمل هذه الأضرار لأنها أخف من ضرر السرطان ، وهكذا دواليك..

وقد يبادرني أحد القول بأن هذه الموازنات في القرار الطبي بدهية معروفة وواضحة، فلماذا نربطها بقواعد فقهية ولماذا نُقحم الشريعة في الطب؟ والجواب على هذا من أوجه، أولها أن كون الأمر بدهي لا يمنع من تقريره بالدليل الشرعي لتستقر في عقول الناس ملائمة ديننا الحنيف لفطرة وحاجة الإنسان، وثانيها أن بيان تقرير هذه المبادئ في ديننا الحنيف يقي الطبيب المسلم من الانبهار بالمنهجية العلمية الطبية التي قد تكون تطورت على أيدي الكافرين، حيث يدرك أن المبادئ العامة التي تضبط منهجية القرار مستقرة راسخة في ديننا فتنقطع مفسدة الانبهار بالكفار وناهيك بها مفسدة، وثالثها وهو أمر يغفل عنه الكثير من الأطباء المسلمين هو أن الانطلاق من هذه القواعد الفقهية الشرعية في تقرير ما هو أصلح لعلاج المريض يُذكرك باعتبار المصالح والمفاسد الشرعية إضافة إلى المصالح والمفاسد الطبية البحتة، بحيث تراعي قدر الإمكان ألا يؤدي القرار العلاجي إلى تفويت مصلحة شرعية أو دينية للمريض أو لغيره طالما أن مراعاة هذا الأمر لا تخل بأسباب العلاج والبرء إن شاء الله، وهذا الاعتبار لا يمكن شهوده عند من لا ينطلق في قراراته من هذه القواعد الفقهية المذكورة. وأورد هنا مثالًا واحدًا يبين أهمية مراعاة المصالح الشرعية في القرار العلاجي:

هب أنك تعالج مريضًا أصيب بكسر في اليد، وقررت أنه يحتاج إلى جبيرة، وفي سياق وضع الجبيرة لتثبيت الكسر كان حجم الجبيرة أكثر قليلًا مما يحتاجه الكسر، ولكن هذه الزيادة القليلة لا تضر من الناحية الطبية، فإذا توقفت عند حدود المصلحة الطبية لم يكن هناك مانع من الإبقاء على هذه الزيادة، أما لو كنت تخاف الله وتستحضر القواعد الشرعية التي تضبط رفع الضرر، لعلمت أن هذه الزيادة في موضع الوضوء قد تعطل على المريض طهارته وعبادته، لأن هذه الزيادة ليست موضع رخصة للمسح على الجبيرة، فلا يجزيه المسح على الموضع الزائد، ولربما تعطلت عبادته شهرًا أو أكثر مدة بقاء الجبيرة، فلو أنك استحضرت هذا الأمر وراعيت هذه المفسدة الشرعية لاتقيت الله ولما أبقيت على القدر الزائد الذي لا حاجة له من هذه الجبيرة، وهكذا تتضح أهمية مراعاة الضرر الشرعي إضافة إلى الضرر الجسدي عند اتخاذ القرار العلاجي ، والأمثلة أكثر من أن تحصر في هذا المقام، ولكن أردت التمثيل فحسب.

4-الستر على المريض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت