فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 1037

إن حالة المرض قد تضعف البدن إلى حدٍ يشق على المريض القيام بالعبادة البدنية، أو يتعذر عليه تحصيل شروط عبادة معينة على الوجه الأكمل والصحيح، ولا مجال لاستيعاب مفردات هذه الأحوال في هذه الحلية المختصرة، وإنما أنبه على جنسها من خلال عرض بعض الأمثلة، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنما ذلك عِرق وليس بحيض، فإذا أقبَلَت حيضتُك فدعي الصلاة، وإذا أدبَرَت فاغسلي عنك الدم ثم صلي" [680] ، فهذا الحديث أصلٌ في ما يعرف بوضوء وطهارة أهل الأعذار، والشاهد في الحديث أن هذه الصحابية كانت مبتلاة بمرض - هو عرق الدم النازف - وقد التبس عليها هذا المرض حتى حسبته من الحيض الذي لا تصح معه الصلاة، فردها الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي إلى الصواب، فبيَّن لها حقيقة المرض وأنه عِرقٌ وليس من الحيض في شيء ثم أرشدها - وهذا موضع الشاهد - إلى ما يتعلق بهذا الدم من أحكام شرعية نتيحة الإخلال أو اللبس في مسألة الطهارة. وحريٌ بكل طبيب مسلم أن يعلم هذا الأصل لأنه كثير الورود والتكرار، لا سيما في المستشفيات حيث يفوِّت كثيرٌ من المرضى من أهل الأعذار - كمن عندهم سلس بول أو من وضعت لهم القثاطر البولية ومن أجريت لهم فتحات إفراغ اصطناعية للفضلات ونحوها - يفوِّت هؤلاء على أنفسهم الصلاة لجهلهم بأحكام طهارة أهل الأعذار، ولا أحسب الطبيب الذي وضع القثطرة البولية أو أجرى العملية الجراحية لفتح مخرج للفضلات ونحوه إلا مسؤولًا عن تنبيه وتوجيه مريضه إلى أحكام طهارته [681] . ومن الأمور لصيقة الصلة بهذا الباب أيضًا ما يتعلق بأمر الرخص الشرعية كإفطار يومٍ واجبٌ صومه، أو ترك سجود لمن يضر ببصره فعله ونحو ذلك، والأصل الشرعي العظيم في هذا الباب قوله تعالى:"وما جعل عليكم في الدين من حرج" [682] ، وأما حديث الباب فهو ما رواه عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال:"كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، [683] وهنا لا بد من التنبيه إلى ضرورة تورّع كلٍ من الطبيب والمريض في مسائل الرخص في العبادات، لا سيما المفروضة منها فلا يتهاون الطبيب - لقلة علمه أو قلة ورعه - فيتساهل في الترخيص بما ليس بمرخِّص فيفسد على المريض دينه، ولا يتشدد في عدم الترخيص بما هو مرخِّص فيفسد على المريض صحته وعافيته، كما يجب على المريض أن يتورع عن أخذ الرخصة [684] من دون تحرٍ لأمانة الطبيب، بحيث يجب عليه أن يحتاط عند ظهور ما يقدح في أمانة الطبيب وعدالته، ككونه لا يصلي إن كان ممن ينتسب لأهل القبلة، أو كونه كافرًا أصليًا من باب أَولى، ولا يعني الاحتياط ألا يأخذ بالرخصة من هؤلاء مطلقًا، وإنما يعني التثبت وربما عرض الحالة على غير من مضت صفتهم ممن هم أمناء في الدين والمهنة [685] ."

ثانيًا: ما يتعلق بأحكام شرعية جديدة مترتبة على أحوال المريض:

فالطبيب يطلع بطبيعة المهنة على دقائق في حياة المريض قد لا يتنبه إليها غيره أو لا يطلع المريض غيره عليها، فحريٌ به أن ينبه مريضه على ما تلبَّس به من أحوال قد تترتب عليها أحكام شرعية يحتاج إلى مراعاتها؛ ولعل من أدق هذه المسائل التي تعم بها البلوى وتستشكل على كثير من الناس بل وتحير أهل العلم أحيانًا ما يتعلق بالدماء الطبيعية عند النساء، وقمنٌ بالطبيبة التي تصدت لهذا التخصص أن تكون ملاذًا لمريضاتها، تحل إشكالهن وتبين ما أبهم عليهن، وإن كان لها علم بحكم الشرع نبَّهت وإلا وضحت لمريضتها صورة المسألة حتى تُحسن الاستفتاء، لا سيما وأن في هذه المسائل من عامل الحياء والخجل ما قد يعيق وضوح التصوير عند عرض المسألة، وهاتيك أمُّنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها تفتي النساء وتعلمهن ما يتعلق بأخص خصوصياتهنَّ، ذكر البخاري رحمه الله في باب إقبال المحيض وإدباره: وكنَّ نساءٌ يبعثن إلى عائشة بالدُرَجة فيها الكُرسف فيه الصُفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصَّة البيضاء، تريد بذلك الطُهر من الحيضة [686] . قلت: رضي الله عنها وأرضاها ما أحرصها على دين المسلمين وعبادتهم، كيف لا وهي الفقيهة الصدِّيقة بنت الصدِّيق. والشاهد هنا أن بعض هذه الأمور مما يتعرض له الطبيب أو الطبيبة يتعلق بها وجهان؛ أحدهما دقة الأمر من جهة تصوُّره أحيانًا - كما هو الحال في مسائل الدماء الطبيعية عند النساء المتحيرات [687] - والثاني ما يتعلق به من حرج أو حياء قد يكتم معه المريض مسألته عن أهل العلم والفتيا، وليس أليق من الطبيب والحال كذلك بتصوير المسألة تصويرًا دقيقًا يعين المريض على السؤال ويرفع عنه حاجز الحياء المذموم [688] حفاظًا على دينه بعدما اجتهد في تعهد بدنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت