فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 1037

ويدخل في هذا المجال أيضًا - أعني الأحكام الشرعية المترتبة على المرض - ما يتعلق بتشخيص الأمراض المعروفة بالسراية - أعني إمكان انتقال العامل الممرض من المصاب إلى غيره - فقد يشرع الحجر على المريض إذ ذاك فيمنع عن حجٍ مثلًا، فتلحق به أحكام الإحصار على قول من يقيس على الإحصار بمنع العدو، أو خيار التفريق بين الزوجين لمكان الضرر عند تشخيص مرض نقص المناعة المكتسب (المعروف بالإيدز) ، ودور الطبيب في هذا المجال يتعلق بالاجتهاد في تعيين التشخيص والتواصل مع الجهة المسؤولة لإبلاغها بالحالة حتى تترتب الإجراءات اللازمة لوقاية باقي أفراد المجتمع وتنبيه المريض إلى احتمال السراية إلى الغير من أفراد الأسرة، لا سيما الزوج باعتبار أن بعض الأمراض تكون سرايتها بطريق الوطء. والحقيقة أن ما ذكرته هنا هو من باب التمثيل وإلا فإن استيعاب كل الجزئيات يحتاج إلى تصنيف مفرد مستقل.

8-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لقد تقدم معنا في غير موضع أن الطبيب بحكم مهنته يطلع على ما لا يطلع عليه غيره من خصوصيات المريض، وهو بهذا مخاطَب على وجه أخص بعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [689] ، فأما الإنكار باليد مع المريض فلا ريب أنه يفتقر إلى سُلطة، ولا يصح أن يبادر به الطبيب بغير سلطة يخوله إياها ولي الأمر أو من يقوم مقامه - كوزير الصحة مثلًا - أو إذن المريض نفسه، فمثال الأول أن يأذن أو يأمر ولي الأمر أو من يقوم مقامه بإتلاف ما يحوزه المرضى من شركيات يستشفون بها كتعويذة محرمة أو نُشرة [690] محرمة، ومثال الثاني أن يأذن المريض للطبيب بأن يزيل وشمًا أحدثه في جسده مع انتفاء المانع [691] وهكذا، وأما الإنكار باللسان فيراعى فيه أمرٌ مهم ودقيق وهو ألا يفضي إلى ضررٍ أكبر، وأنبه هنا إلى أن خوف الطبيب من أن ينفر المريض منه فيفضي ذلك إلى ترك التطبيب بما يفضي إلى ضرر بصحة المريض أو تلف عضو منه أو هلاك جسده هو ضرر معتبرٌ شرعًا، لأن حفظ ذلك كله مطلوبٌ شرعًا، فإذا غلب على ظن الطبيب أن إنكاره بالقول على مريضه اقترافَ منكرٍ ما كوشم أو كشف عورة أو تبرج سيؤدي إلى نفور المريض بحيث لا يستجيب للعلاج فيتضرر في جسده، فإن إنكار هذا المنكر لا يُشرع لما يترتب عليه من ضررٍ أكبر، بل قد يأثم الطبيب من جهة إدخال هذا الضرر على المريض فليتنبه لذلك، وليعلم الطبيب أن إنكار المنكر في هذا المقام يراد منه اغتنام فرصة العلاقة بين الطبيب والمريض، ولا يراد منه أن تتحول العيادات والمشافي إلى مراكز للحسبة والوعظ فلذلك مجالٌ آخر، وإنما هو العدل والتوسط لا سيما مع ضيق الوقت مع المريض فلا بد من تحقيق مصلحة المريض المتعينة في مجال التطبيب، وهي الاستشفاء بما شرعه الله تعالى من أسباب، فإن تيسر مع ذلك الاحتساب بإنكار ما يجوز أو يجب إنكاره بالقول واللسان فبها ونعمت وإلا انتقل إلى المرتبة الثالثة اللازمة وهي مرتبة الإنكار القلبي كما هو مقرر عند أهل العلم.

9-الإفساح في أجل المريض: إن عجبي لا ينقضي كلما سمعت من مريض أن طبيبه حدد له أربعة أشهر أو ستة أسابيع أو سنة من الحياة، وإنني لأتساءل عن مغزى ذلك والفائدة منه فلا أجد جوابًا إلا قوله تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى" [692] ، نعم هو تجاوز في الحد من الطبيب الذي خوَّله الله تعالى علمًا يطلب به أسباب شفاء الناس بإذن الله ولا يحدد به آجالهم وأعمارهم، نعم قد ينبه الطبيب مريضه على أن مرضه مُعضل وقد يفضي إلى الموت بأسلوب لطيف، لينبهه على ضرورة اغتنام ما تبقى من عمره في رد المظالم والتوبة من المعاصي والتزود من القربات، لعل ذلك يكون خيرًا يعود به مرضه عليه، ولهذا شاهدٌ في الشرع من حيث جواز تلقين الميت وتذكيره بالآخرة، أما أن نفتئت على الله تعالى وندعي علم الغيب، فلست أدري ما علاقة هذا بالطب والتطبيب، وأي أثرٍ سيء تعود به على مريضك من ذاك، فالله الله أيها الطبيب المسلم أن تتجاوز حدودك وتسيء الأدب مع الله تعالى، ولقد ورد حديث ضعيف في النهي عن ذلك عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في أجله فإن ذلك لا يرد شيئًا ويطيب نفسه" [693] ، وهذا الحديث مع ضعفه إلا أن معناه صحيح والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت