فهرس الكتاب
10 -المريض غير المسلم: إن مهنة الطبيب حفظ الجسد خدمةً للقلب؛ فما صلاح الجسد إذا فسد قلب المرء، وأي فلاحٍ له في أُخراه إذا ما كان حرصه في دنياه على سلامة اللحم والعظم مع غفلةٍ عما جُعل الجسد وعاءً له؟ ونحن عندما نفرد فقرةً للكلام عن علاقة الطبيب المسلم بالمريض غير المسلم لا نعني بذلك التفريق في المعاملة، بحيث قد يُفهم وجود نوع من المحاباة أو التفرقة في تقديم العلاج ، كلا. وإنما يقصد أن ننبه إلى أن للمريض غير المسلم حاجات روحية تمامًا كما أن للمريض المسلم حاجات روحية يجب الالتفات إليها، وإعطاؤها حقها من التعهد والرعاية، فلا يجوز الغفلة عن حاجات المريض غير المسلم الروحية والنفسية وإن كان هو نفسه غافلًا عنها، ولذا تجد أن فقهاء المسلمين حين يتحدثون عن عيادة المريض غير المسلم يربطون الأمر بالتألُّف والمداراة والتودد المفضي إلى إمكان تبليغ رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى تكون رعاية البدن وسيلة إلى رعاية القلب أو قل إقامة الحجة والإعذار إلى الله تعالى على أقل تقدير. ولقد تقدم معنا حديث أنس وأعيده هنا لمناسبته فعنه رضي الله عنه قال:كان غلامٌ يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار" [694] ، ولقد تكلمنا عن هذا الحديث في معرض الإشارة إلى خُلق النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا نؤكد على إبراز الغاية والمقصد من التعامل مع الكافر ألا وهي مد جسور العلاقة المفضية إلى إمكان تبليغ الدعوة مع القيام بذلك التبليغ فعلًا، وهنا قد يبرز إشكال وهو أن هذا الحديث في عيادة المريض، بينما نحن نتكلم عن ممارسة مهنية قد يصعب تطبيق هذا المعنى في سياقها على الدوام، فكيف يمكن استحضار هذه المقاصد دون إخلال بالواجب المهني ودون أن ينزع بنا إلى نوع تقصير مع المريض غير المسلم نتيجة الانشغال بواجب الدعوة من جهة أو نفرة المرء عن الكافر الذي يصد الدعوة من جهة أخرى؟