فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 1037

وبتعبير آخر أقول: مسكينٌ ذلك الطبيب الذي لا يجد أثر تفكره في مشهد الخلق الإنساني زيادةً في إيمانه، وطمأنينةً في قلبه، وإزعاجًا لجوارحه، مسكينٌ من عاين مشهد الخلق الإنساني ثم لم يعاين المشهد الإيماني المتمثل في قوله تعالى:"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون" [703] . نعم، مساكين هم جمهرة الأطباء الذين يمرون على آيات الله عز وجل في كل لحظة من لحظات دراستهم وعملهم وهم في مرورهم هذا غافلون، وبمادية الطب وتجردهم لدنياه غارقون، وتأمل إن شئت واحدًا من هؤلاء ثم اسأل: كيف لطبيبٍ كهذا أن يصبح طبيبًا داعية؟

إن حلية الدعوة لا يمكن أن تستقر على جيد الطبيب الذي لا يتعهد قلبه وإيمانه بما أطلعه الله تعالى عليه من بديع خلقه وصنعته، والعكس صحيح، فإن الطبيب الذي تستوقفه مشاهد الخلق الإلهي في هذا الجسد الذي يعالجه ويطببه لا بد من أن يثمر ذلك في قلبه رغبةً ودافعًا قويًا ليدعو الناس كل الناس إلى تأمل هذه المشاهد والاقتراب من الله عز وجل، إن حال هذا لا يختلف عن حال العالِم الذي فقِه مسألةً في دين الله، فأراد أن يبلغها للناس حبًا في نشر الخير والتزامًا بواجب البلاغ والدعوة إلى الله، وهنا أود أن أشير في نقاط محددة إلى مجالات الدعوة التي يجب أن ينخرط فيها الطبيب المسلم، ليكون من أولئك الربانيين الذين قال الله تعالى فيهم:"ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين" [704] ، وفيما يلي بيان ذلك:

أولًا: أسلمة العلوم الطبية:

لا يخفى على أي مسلمٍ حاذق أن ما نعانيه اليوم من تفريغ واقع الحياة من هويتها وصبغتها الفطرية الإسلامية ليس إلا ثمرةً من ثمار العلمانية النكدة الممتدة إلى كل ناحية من نواحي الحياة بنفس القدر الذي تمتد فيه تعاليم وتوجيهات شريعتنا الإسلامية الغراء إلى تلك النواحي، ومن غير المستغرب والحال كذلك أن يعاني كل صاحب مهنة في مهنته وكل صاحب صنعة وفن في صنعته وفنه من هذه الثمار المرة، ولعمر الحق إن الأمر ليزداد وضوحًا وإن الثمرة لتزداد مرارةً في مجال الطب لأنه مجال يتعامل مع الجانب الروحي للإنسان بطبيعته، ولا يمكن في الحقيقة تفريغ الطب وتجريده من أبعاده الروحية التي شغلها الإسلام إلا من خلال شغل هذه الحاجة الروحية بمبادئ ومعتقدات وأفكار أخرى، وانظر إلى ماهية هذه البدائل كمدرسة التحليل النفسي لفرويد ونظرية النشوء والارتقاء لداروين، وغيرها من الأفكار والمدارس التي تسربت إلى مدرسة الطب وتشربت بها كل العلوم الطبية، فأصبح تفسير كل مشكلةٍ نفسية اليوم قائمًا على أساس الكبت وقمع"الأنا"كما تحاول المدرسة الفرويدية أن توهمنا، وأصبحت كل مورثة وصِفةٍ وراثية أو حيوية في الإنسان مدينةً للجراثيم والكائنات وحيدة الخلايا الأولى التي حفظت لنا هذه المورثات والصفات منذ ملايين السنين [705] ، فعندما نتكلم عن أول واجبات الطبيب المسلم في سياق الدعوة اليوم علينا ألا نتوهم أن ذلك يقتصر على إلقاء محاضرة للعاملين غير المسلمين في مشافينا أو مجتمعاتنا، فلعمر الحق إن إمام المسجد أجدر بهذه المهمة منا وأقدر، إذ أن واجبنا اليوم ينصرف إلى تحرير المنهج العلمي للطب لإعادة العلاقة المتزنة بين الجسد والروح، بين المبادئ التجريبية الطبية والمبادئ القطعية الإسلامية، حتى يتمكن الطبيب المسلم من معالجة المريض المسلم وفق منهج علمي عملي متزنٍ لا إفراط فيه ولا تفريط، ولقد تقدم الكلام على شيء مما يتعلق بطبيعة المنهج العلمي عند الطبيب المسلم، وأنبه هاهنا على أن الأمر ليس من البساطة بحيث يستدرك في مقال أو كتيب أو رسالة إنه - بلا مبالغة - قضية اليوم في عالم الطب إذ أردنا فعلًا أن نكفي الأمة الإسلامية هذه الثغر، ومع أن الحل النموذجي لهذه المشكلة لا بد من أن ينطلق من كليات الطب في مجتمعاتنا، فإنه من غير العملي وغير المقبول أن ننتظر ذلك ونحن في موقف المتفرج مكتوفي الأيدي، بل إن عبء التغيير يعود علينا نحن آحاد الأطباء، إذ علينا أن ننتقل من مرحلة الإرهاصات الفردية إلى مرحلة الجمع والترتيب الهادف، بحيث نقوم بتقييم ما وصلنا إليه ووضعه موضعه المناسب والبناء عليه، ولئن أعيتنا الحيلة في تصحيح مسار كليات الطب فها هي الجمعيات الطبية العلمية مجالٌ خصب لتلاقح فكري واعٍ يسد هذه الفجوة ويرأب هذا الصدع، والشاهد أن الأمر لا يجتمل تأخيرًا ولا تباطؤًا ولا تثاقلًا، لأنه يمسنا كل يوم في سياق المهنة والطبابة، فعلى كل طبيب مسلم اليوم أن يقف ليعرض نفسه على ثوابت الشريعة الغراء نيةً وقصدًا وعملًا ليسأل نفسه: هل أنا على ما يرضي الله في كل ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت