فهرس الكتاب
إن أسلمة العلوم الطبية إذًا تنطلق من الحاجة إلى توأمة حقيقية بين التزامات الطبيب المهنية والتزاماته الشرعية، وبين حاجات المريض المهنية وحاجاته والتزاماته الشرعية، بمعنى أن يكون الطبيب الذي يضع للمريض قثطرة بولية أو الجرَّاح الذي يفتح للمريض فتحة اصطناعية في الأمعاء الغليظة تسبب السلس، هو نفسه الذي يقوم بتنبيه مريضه إلى أحكام طهارته إما على وجه التفصيل إن علمها وإما على وجه الإرشاد إلى أهل العلم للسؤال عنها، [706] بحيث ينبه الطبيب مريضه إلى أن مرضه أو علاجه هذا تتعلق به أحكام شرعية يجدر به أن يراجع أهل العلم لتعليمه إياها. إن توأمة العلم التجريبي مع العلم الشرعي في سياق هذه الأسلمة هو الكفيل بتخريج الطبيب الذي يرقى مريضه بالفاتحة بنفس اليقين والتوكل الذي يأخذ به بالأسباب المشروعة من دواء وجراحة ونحوها، وهو الكفيل بتخريج الطبيب الذي يزف لمريضه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيتيه فصبر عوضته منهما الجنة" [707] في نفس الوقت الذي يحمل له خبر تشخيصه بمرض يذهب بنور عينيه، وليس في مدارس الطب العالمية أجمع نظامٌ يمكِّن الطبيب من تقديم شيء إيحابي لمريضه المصاب بمرض عضال أو خبيث أو لا يرجى برؤه إلا نظام الإسلام ومدرسة الطب النبوي، فمهما كان المرض والبلاء فإن الطبيب المسلم لا يعدم لمريضه بشارة، ومهما كان البلاء فإن المريض المسلم لا يعدم منه نفعًا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله إلى خير ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" [708] ، بل أقول بكل ثقة إن مدرسة الطب الإسلامي عندما تنجح في تحقيق هذه التوأمة تصبح المدرسة الطبية الوحيدة في العالم التي لا يعتري خريجيها شعور بالعجز أو اليأس أمام المرض، لأن الشرع يرفده بتصورات ومرتكزات لا يعدم فيها شهود خير يدل مريضه عليه، وهذا ما تعجز المدارس الطبية الأخرى عن تقديمه، تأمل رعاك الله عندما تحدث جائحة أو وباء تضطر معه السلطات الصحية أن تحجر على جماعة من الناس خشية سراية مرض كالطاعون ونحوه، ومعلوم أن نسبة من المحجورين هم أناس أصحاء، وأنهم بهذا الحجر عرضة للإصابة بالمرض الساري من أولئك المرضى المحجورين معهم، وقد يقضي هؤلاء إذا سرى المرض إليهم جراء الحجر الصحي، ورغم تعريض هؤلاء الأبرياء لخطر السراية فإن جميع المدارس الصحية العالمية تجمع على صحة هذا المسلك أعني الحجر تقديمًا للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولكن هنا يبرز النظام الصحي الإسلامي متميزًا عن كل المدارس الصحية في العالم ليعامل هؤلاء الأبرياء بما يستحقون، حيث يقدم لهم التعويض عن هذه التضحية من خلال هذه المنظومة الشرعية الرائعة، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها" [709] ، فهذا الحديث أصلٌ في جواز الحجر الصحي، حيث أشار إلى عدم الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون ومعلوم أن هذا يعرض الأصحاء إلى سراية المرض إليهم واحتمال موتهم منه، ثم انظر إلى تمام هذه المنظومة حيث عالج الناحية العقدية التي يؤدي الإخلال بها إلى الخوف والوجل من المخلوق ومن عالم الأسباب، فقطع صلى الله عليه وسلم الطريق إلى مزلزِلات العقيدة فقال:"لا عدوى ولا طيرة ،" [710] وبهذا يمكث من يمكث في أرض الطاعون والوباء مطمئنًا إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومن جهة أخرى عالج صلوات الله وسلامه عليه احتمال وقوع القدر الكوني، وهو إصابة من كُتِب عليه الإصابة بالطاعون والموت به فقال صلى الله عليه وسلم:"الطاعون شهادة لكل مسلم" [711] ، والشهادة أمنية كل مسلم بلا ريب، وهكذا فبالنظر إلى عناصر هذه المنظومة الشرعية الرائعة تجد أن مصلحة الجماعة قد روعيت باحتواء المرض، وأن مصلحة الأفراد قد روعيت من ناحية ثبات العقيدة ونقائها، ومن ناحية تعويض ضحايا تقديم المصلحة الجماعية بمرتبة الشهادة من جهة أخرى ، وهذا ما لا يمكن لأي منظومة رعاية صحية في العالم أن تقدمه، وإنه لمن السفه بعد هذا ألا نعيد الأمور إلى نصابها ونعيد - بدون مبالغة - كتابة وتأصيل مهنة وعلوم الطب لتتعانق نصوص الآيات والأحاديث الشرعية مع موجودات ومفردات الآيات الكونية فيحدث ذلك الانسجام بين العقيدة والكون، تمامًا كما أوجد الله تعالى ذلك الانسجام التام بين الروح والبدن، وهذا ما أعنيه بأسلمة الطب، وهو يتجاوز بكثير مسألة تزيين مداخل المشافي بقوله تعالى:"وإذا مرضت فهو يشفين" [712] وليس هذا تقليلًا من شأن استحضار الآية معاذ الله، ولكنه بيان أن ذاك لازمٌ غير كافٍ البتة، أجل نريد أن نتجاوز بهذه الآية حناجرنا وأن تتشرب بها قلوبنا، والله تعالى وحده المسؤول أن يوفقنا لذلك.