فهرس الكتاب
وحيث إن كليات الطب بعيدة اليوم عن هذا الواقع، فإن الخطاب متوجه إلى الأطباء أن يعملوا قدر الإمكان على تصحيح مسيرة الطب في أنفسهم وفي بيئاتهم المهنية، فعلى الطبيب أن يقوم هو بتحصيل ما يجب تحصيله من علوم الشرع الأساسية التي لا غنى له عنها في مهنته، ولا مندوحة له اليوم عن الرجوع إلى أهل العلم الشرعي ليدلوه هم على ما لا يسعه جهله من أمور الدين، والهمم ولله الحمد موجودة اليوم لتأصيل ذلك وتقريره، وأملي أن أرى مقررات الفقه الطبي جزءً من المقرر الدراسي لكليات الطب في بلادنا الإسلامية، وأملي أن نجد من جملة التخصصات الطبية في الغد القريب تخصصًا في الفقه الطبي، حيث إن النوازل الطبية قد تشعبت وتعددت تمامًا كما تشعبت فروع العلوم الطبية الأخرى، وعلى كلٍ فالمقام هنا مقام تنبيه لا مجال فيه لاستيفاء الموضوع، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى سد شيء من تلك الثغرة في القريب العاجل إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: تعهد الجانب الروحي للمريض:
إن من معالم هذه الحلية ودررها الثمينة مراعاة أن تطبيب الأبدان إنما شُرع حفاظًا على الأهم الذي تحويه هذه الأبدان أعني القلوب؛ فإنما أذنت الشريعة بمداواة البدن لا انشغالًا بالمادة عن الروح، ولا التهاءً بالدنيا عن الآخرة، وإنما تقويًا على رياضة القلب وتعهده بما يدفع الأمراض عنه، أعني أمراض العقيدة التي تفتك بالقلوب فتدعها صرعى ما بين مشهد نفاق أو شرك أو كفر بواح، ولكن تجد مع الأسف أنه كثيرًا ما ينهمك الطبيب والمريض في معالجة أسباب المرض البدني وآثاره الظاهرة، ويغفل أحدهما أو كلاهما عن تأمل مشهد الابتلاء في هذا المرض وعن ملاحظة جوانب الخير فيه، وإن من له أدنى إلمام بمهنة الطب يدرك أن هناك طائفةً من الأمراض التي لم نقف لها على علاج سببي بعد، مما يفضي بالبعض إلى توهم أن مشهد هذا المرض مشهد شرٍ محض لا خير فيه البتة، وهنا يكون دور الطبيب أساسيًا في تنبيه المريض إلى مظاهر ومعالم الخير في هذا الابتلاء، وأقول إن الطبيب الذي يقتصر في العلاج على تناول الأسباب المادية طبيبٌ مقصر مع مريضه مهما أتقن صنعته، ومهما تفانى في خدمة مريضه من جهة الأسباب، وأقول إن من واجب الطبيب الذي يشخص المرض ويصف الدواء ويوجه المريض إلى أسباب الاستشفاء أن ينبه المريض إلى مثل قوله تعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنة" [713] ، وإلى قوله صلى الله عليه وسلم:"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" [714] وقوله صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" [715] ، وعلى الطبيب المسلم أن يلاحظ أن جانب التعهد الروحي للمريض مطلوب في كل من الحالات التي يكتب الله تعالى لها البرء والشفاء، وتلك التي لا يكتب لها سبحانه وتعالى ذلك؛ فأما في حالات البرء والشفاء فيكون بالتذكير بأن هذا الشفاء نعمة ومنحة من الله سبحانه وتعالى، وأنه تعالى يستحق الشكر على هذه النعمة، كما أنه كان يستحق الحمد حين الابتلاء بالمرض الذي برئ منه، لا أن ينسب الطبيب البرء لنفسه، فتلك والله غاية الحماقة وعين السفه وحقيقة نكران الجميل الذي تفضل الله تعالى به على هذا الطبيب حين أجرى الشفاء على يده وجعله سببًا من أسبابه، فعليك أيها الطبيب حين تعاين برء المريض أن تشكر الله أولًا، ثم تذكِّر المريض بشكر الله ثانيًا، وأن تنتبه وتُنبه إلى دوام الالتجاء إلى الله في حفظ نعمة الصحة التي عادت بفضله وكرمه سبحانه، بعد أن عاين المريض منها اختلالًا ونقصًا وهذا هو مقام:"وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" [716] ، وأما حالات استعصاء الداء على الدواء فهي مقام التفكر والتدبر والتصبر والاحتساب، وهي مقام تحقيق التجرد التام من الأسباب والتبرؤ التام من الحول والقوة، فأما الهالكون فيتيهون في مهالك التبرم والتذمر والتسخط، وأما الناجون بإذن الله فيوفقهم الله تعالى إلى مشاهد العبودية الحقيقية والصحيحة، فيهلك الجسد بالمرض وتنعم الروح بالصحة والعافية الإيمانية، وإن دورك أيها الطبيب المسلم أن تنبه وتعين مريضك على الوصول إلى شاطئ النجاة، لتكون سببًا من أسباب نجاته الروحية كما كنت - بفضل الله - سببًا من أسباب النجاة الجسدية لغيره من المرضى، وهنا لا مفر للطبيب المسلم من التسلح برصيدٍ كاف من النصوص والثوابت الشرعية التي تعينه على توجيه مريضه التوجيه المناسب في الوقت المناسب، وليست هذه الحلية المختصرة محلًا لسرد هذه النصوص، وإنما يرجع إليها في مظانها من آيات القرآن الكريم وكتب السنة الصحيحة.