فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 1037

وأنبه هاهنا إلى الخلل العميق الواقع في مجتمعاتنا في هذه المسألة، وصورة الخلل تتمثل في الافتراق الذي نشاهده بين الطبين؛ طب الأبدان وطب القلوب، بحيث تجد أن الطبيب لا يمارس طب القلوب، ولا يدمجه في سياق التعامل مع المريض، في حين أن العامة يلتجئون إلى بعض أصحاب الخبرة وأهل العلم الشرعي - وأحيانًا كثيرة للأسف إلى بعض المشعوذين والسحرة - لتلبية حاجاتهم القلبية والروحية، أو حتى بحثًا عن سبل بديلة للعلاج، وما نريده من الطبيب المسلم وما يحتمه واقع التوافق المادي الروحي في الإسلام أن يكون الطبيب الذي يضع جهاز التنفس ويعطي المضاد الحيوي والأكسجين ويصف الدواء، هو نفسه الطبيب الذي يرقي مريضه بالرقى الشرعية ويطمعه في رحمة الله ويثيبه إلى رشده في التعامل مع هذا الابتلاء ونحوه. أما افتراق العلاج المادي عن الروحي فليس إلا شكلًا من أشكال ترسيخ العلمانية النكدة في حياتنا نسأل الله تعالى السلامة والعافية من ذلك إنه حسبنا ونعم الوكيل.

ثم إن من المسائل المتعلقة بالدعوة في مجال تطبيب المرضى تنبيههم على ما يقعون فيه من منكر، ولقد تعرضنا لهذه المسألة في فقرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الكلام على أخلاق الطبيب مع مريضه المسلم، وهنا أود التأكيد على المسألة من جهة المسؤولية الشرعية، فأهل الخبرة والعلم بفن الطب يُجمعون على أن الطبيب مؤاخذٌ من جهة المهنة إذا ما اطلع على عَرَضٍ أو مرض عند مريضه غير ذلك المرض الذي جاء يستشفي منه ثم لم يخبره الطبيب بذلك، فلو جاء مريضٌ يشتكي من ذات الرئة، وأثناء فحص المريض اكتشف الطبيب بقعة جلدية يحتمل أنها آفة سرطانية يفضي إهمالها إلى هلاك المريض، فإن الطبيب مقصر في عدم إخبار مريضه بذلك قولًا واحدًا عند أهل الفن، رغم أن المريض لم يراجع الطبيب لهذه الشكاية، وأقول إنه من باب أولى أن يكون الطبيب مسؤولًا عندما يفحص مريضه الذي يشتكي من ذات الرئة ويجد تميمة شركية أو خيطًا معلقًا في عنقه ولا ينبه مريضه على هذه الآفة المهلكة، ولا يكفي في هذا المقام ما يقوم به البعض من قطع أو إزالة الخيط أو التميمة دون تنبيه المريض إلى خطرها، لأن هذا سيعود إلى تعليق غيرها بمجرد مغاردة الطبيب، إذ ربما توهم أن الطبيب أزالها لغرض الفحص الطبي ولا يستشعر الإنكار الشرعي على هذا الفعل الشركي، بل على الطبيب أن ينبه إلى حرمة هذا الفعل وإفضائه إلى الشرك أو البدعة كلٌ بحسبه.

وهكذا عندما يقوم الطبيب بالاستفسار عن جملة من المشعرات الصحية فيما يعرف بالطب الوقائي لا سيما عند الأطفال، حيث ينهمك الطبيب في السؤال عن المعالم التطورية للطفل وهذا جيد، ولكن يجب أن يندرج في منظومة الرعاية الصحية الأولية هذه السؤال عن المعالم التطورية الشرعية، فيُسأل عن الأمر بالصلاة في السابعة، ويُسأل عن الصلاة في العاشرة، وينبه على التفريق في المضاجع وغيره كل بحسب سنه، علينا أن نستشعر جميعًا أننا اليوم في خضم معركة عقدية خطيرة تستلزم منا إعداد جندها ورجالها، علينا أن نطرح جانبًا شعار"العقل السليم في الجسم السليم"ونعلن مكانه"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، حتى تتضح هوية المعركة ويستشعر الفرد أنه جندي من جنودها، وأن كل حجرٍ في سد الإسلام المنيع له دوره مهما صغر حجمه وأينما كان موضعه، وعليه فلا بد من اغتنام كل فرصة للتذكير والتنبيه على ذلك.

ثالثًا: الاعتدال والتوسط في مسائل الإعجاز العلمي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت