فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 1037

كثيرًا ما يغفل الطبيب المسلم عن تسديد جهده إلى تحقيق ذروة سنام الإسلام، أعني بطبيعة الحال الجهاد في سبيل الله ، فتلك هي قمة الإسلام السامية وذلك هو الهدف الأسمى لمن عايش مفردات التوحيد، وانطرح على عتبة العبودية، وأحب أن يتقرب إلى محبوبه الأوحد بأغلى وأعز ما يملك ؛ النفس والمال. ولقد صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" [727] ، ولقد قال تعالى في محكم تنزيله:"يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير"، [728] وهذا التفصيل يقتضي أن نسد الثغر في كلٍ من جهاد الرمح والسنان وجهاد القلم والبيان، أما الأول فيكون بقيام الطبيب المسلم بدوره الميداني يطبب فيه جراحات المجاهدين، ويسعف فيه مصاب المسلمين إذا ما ادلهمت الخطوب ودارت رحى الحروب، واعتدى من اعتدى من أهل الكفر والأوثان على دماء المسلمين وأعراضهم ومقدساتهم بما لا حيلة في دفعه إلا فَلُّ الحديد بالحديد، وأما الثاني - أعني جهاد القلم والبيان - فإنما يتوجه إلى أصحاب الأقلام المسمومة والأفكار المحمومة التي تتربص لعقيدة المسلمين وتتسلل عن طريق العلم والطب لتروِّج غثها وسمها، وتبذر بذور الشقاء والفساد في جنبات المجتمع المسلم متسترين بلقبٍ علمي أو مكانةٍ وظيفية أو أمانةٍ وُضعت في غير محلها، ولا شك أن الطبيب المسلم مخاطَبٌ بنصوص الجهاد الشرعي عمومًا من جهة كونه مسلمًا، ولكن حديثي في هذه الحلية عن الدور المنوط بالطبيب المسلم من جهة كونه طبيبًا، فنحن نتكلم في سياق المهنة عن خصوصيات تتعلق بدور الطبيب لا يستيطع غيره أن يسد ثغرها، أما عمومات عبادة الجهاد وضوابطها الشرعية فيرجع إليها في مظانها من كتب الفقه مع التنبيه على ضرورة الانضباط بالضوابط الشرعية في ممارسة هذه العبادة الجليلة، ولا يصدنَّك أيها الطبيب بل المسلم عن الاستشراف لفضل هذه العبادة تشويه المغرضين ونعيق المنافقين وتهويل أتباع الشياطين ممن يشوهون صورة هذه العبادة ويُلبِّسون عليها بكل ما يملكون تنفيرًا للمسلمين الخلَّص من الاستجابة لنداء رب العالمين:"يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" [729] . فما هي خصوصيات دور الطبيب في محراب هذه العبادة السامية؟ هذا ما نعرضه في درر هذه الحلية إن شاء الله.

أولًا: جهاد القلم والبيان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت