فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 1037

يكاد كلنا يحفظ اليوم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأَكَلةُ إلى قصعتها"فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال:"بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليَنزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، ولَيقذفن الله في قلوبكم الوهن"فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال:"حب الدنيا وكراهية الموت" [730] ، ومن الوهم أن نقتصر على تصور هذا التداعي الأممي علينا معاشر المسلمين على الصورة الحسية، ونغفل عن التداعي العقدي والفكري والثقافي الذي يراد من خلاله مسخ هويتنا الإسلامية، ولهذا كان لزامًا على كل أهل فن وعلم من المسلمين أن ينكَبُّوا على ثغور علمهم وفنهم لا يؤتى المسلمون من قِبَلهم، إذ أن هذه العلوم والفنون أصبحت أقواس سهام التغريب والإقصاء عن الدين؛ لقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة تداعي الأمم علينا اليوم، إذ لا يخفى على من له أدنى اهتمام وتعلق بشؤون المسلمين مدى تغلغل المد التنصيري في مجتمعات المسلمين في لَبوسٍ شتى وتحت شعارات عدة، ومن مظاهر هذا المد التنصيري ما هو صفيقٌ وقح يمد يدًا بالدواء للاجئ مسلمٍ محتاج وفي يده الأخرى نسخة من الإنجيل المحرَّف - ولقد تقدمت الإشارة إلى هذا - ومنه ما هو خفيٌ مقنَّع يأتي في صورة محاضرة أو نشاط علمي المظهر يدس فيه السموم المغلفة بابتسامة خادعة تروج على جملةٍ غير يسيرة من العاملين في مشافي المجتمعات المسلمة، وقد رأينا هذا بأم أعيننا أيضًا، وقد يأتي في صورة وثيقة من مواثيق الأمم المتحدة الطاغوتية متسللةً إلى ديارنا بدعوى حقوق الطفل وصحة التناسل وغيرها من الترهات والأباطيل، ويبقى أمام الطبيب المسلم أن يقف متفرجًا شيطانًا أخرس فيبوء بإثم السكوت والتثاقل عن أداء دوره في صد هذه الهجمات، أو أن يتبوأ موقعه الدفاعي بالحكمة والموعظة الحسنة يحذر مريضه ومجتمعه من خِدع هؤلاء تارة، ويفضح مكائدهم على الملأ تارةٌ أخرى، وهكذا يكون دأب الطبيب المجاهد المرابط على هذا الثغر ؛ فهو في مخيمات اللاجئين يسد حاجاتهم حتى لا تستغل أوضاعهم لتضييع دينهم، وهو في المكتبة يقرأ ويطالع ويكتب ويدافع كلما صوَّب أصحاب أقلام التنصير سهمًا نتنًا إلى صدر الأمة، وهو في قاعة المحاضرات يتصدى لدسائس الفرويديين والطبائعيين خَفيةً كانت أم جلية، وهو في غرفة المريض يستر عورته في حين يهتكها طبيب كافر، وهو في العيادة يُحِل الحلال ويُحرِّم الحرام في حين تفتن ممرضة كافرة قلوب الرجال أو يتعلق المرضى بتمائم الشرك، وهو يشغل حاجة مريضه الروحية بالقرآن ومأثور الدعاء حتى لا يشغله منصرٌ بترانيم محرَّفة، وهو يحافظ على العقيدة بنفس الاهتمام والحرارة التي يعالج فيها البدن وأكثر، إنه على الجملة مرابطٌ على ثغر العقيدة أن يؤتى المريضُ من قِبله مهما كانت حالة المريض وأينما كان هذا المريض، فوالله لئن قطعت آلاف الأميال لتمسح على مريض مسلم قبل أن تمسه يد منصِّر فلقد صدقت العهد بإذن الله، أما وأنت تتنعم بالرخاء وتبتلى بالغفلة ومرضى المسلمين ومجتمعاتهم صرعى أمام تيارات التنصير ومعسكراته الطبية وندواته الصحية وأدويته الفاسدة وأناجيله المحرَّفة فلا وألف لا.

ومن المهم في هذه المرحلة أن نترقى فوق العموميات والمجملات لنتكلم بكلام محدد وبضوابط مقعَّدة عن الثغور الرئيسية التي يتحتم على الطبيب المسلم المرابطة عليها اليوم في مجال الجهاد العلمي أو جهاد القلم والبيان، ولقد تأملت في منظومة المقاصد الشرعية الإسلامية فوجدت فيها الغاية والسبيل لوضوح الرؤية والهدف والتزام منهج الإسلام الشمولي دون إفراط أو تفريط، إذ أن الشريعة الإسلامية كما هو معلوم جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ولقد وضعت الشريعة نصب عينيها مقاصد رئيسية تدور مصالح المكلفين عليها، وهي الدين والنفس والعقل والعرض (أو النسل) والمال، بحيث لا تكاد تجد تشريعًا في الإسلام إلا وهو يحقق لواحدةٍ أو أكثر من هذه المقاصد مصلحةً مرجوة أو يدفع عنها مفسدةً مخوفة، وفيما يلي بيان تعلق واجب الطبيب بهذه المقاصد على سبيل الإشارة والتمثيل لا على سبيل الاستيفاء والتفصيل فإن لذلك مقامًا آخر إن شاء الله.

أولًا: المرابطة على ثغر الدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت