لقد تقدمت الإشارة إلى أن صيانة عقيدة التوحيد هي غاية حفظ الروح والبدن، وما تعهُد البدن بالعلاج والطب إلا تعهدٌ للمحل الحافظ لتلك الروح الطيبة إن شاء الله، ولهذا تجد الشريعة الإسلامية حريصةً على تطهير وتخلية قلب المكلَّف من الاعتقادات الفاسدة التي قد تتسرب إليه حين الابتلاء بالمرض، تأمل كيف جاءت نصوص الشريعة لدفع توهُّم النفع والضر فيما عدا الله عز وجل، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا عدوى ولا طِيرة ولا هامَة ولا صفر" [731] ، ولئن كان الأمر في الأمس القريب يتعلق بنفي الطيرة والشؤم وتحريم الاستعانة بالجن والكَهَنة، فإن الأمر اليوم ربما خرج عن تلك الطلاسم والطقوس المشبوهة إلى لبوسٍ جديد اسمه النظريات العلمية ، تلك النظريات التي تطعن في صُلب العقيدة، وتتخذ من الطب والعلوم التجريبية مطيةً لترويج إفكها، فإذا بقول الله تعالى:"الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل" [732] يعارضه أقوام بنظريات النشوء والارتقاء الفاسدة عقلًا ونقلًا، وإذا بتوحيد الربوبية الذي لم يتجرأ الإنسان في القديم على جحوده أو إنكاره يصبح مثار فتنٍ وتدليس عند من يصر على استعمال لفظ (الخلق) في التدليل على كشفٍ أو سبقٍ علمي كالاستنساخ ونحوه، ولعمر الحق إن الطبيب المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى التسلح بقوله تعالى:"يأيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب" [733] ، إي ورب الكعبة، ضعف الطالب والمطلوب فكلاهما في مشهد الخلق حقير، وأمرهما عند بارئهما يسير، وفي الحديث عن بسر بن جحَّاش رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق يومًا في كفه فوضع عليها أصبعه ثم قال: قال الله:"ابنَ آدم، أنَّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلَغَت التراقي قلتَ أتصدق ، وأنى أوان الصدقة" [734] ، ألا فليعلم الإنسان قدره، وليعلم أنه مهما أوتي من علم ومن قدرة فإنما هو فيض فضل الله تعالى ورحمته، واعلم أيها الطبيب المسلم أن التسلح بهذه النصوص والثوابت العقدية هو الكفيل بإذن الله تعالى بالتنبه إلى كل دسيسة وفتنة يروج لها أتباع إبليس، سواءٌ أكانت التصريح أو التمليح إلى قِدم العالم [735] ، أو إلى أن الإنسان يخلق كخلق الله تعالى الله عن ذلك، أو أن النفع والضر بيد غير الله سبحانه وتعالى، ألا فلتعلم مقام الأسباب من المسببات، ولتعلم أن الكل من الله، وأن ما من سبب وُجد مسببه إلا والله خالقهما، قال تعالى:"والله خلقكم وما تعملون" [736] ، وإن واجب الطبيب المسلم اليوم أن يَقعد لهؤلاء كل مرصد، ويترقب لهم كل سهم تصوبه قوس الإلحاد إلى عقيدة التوحيد في صدر الأمة، وليس المقام مقام تفصيل وإنما هو مقام تنبيه على خطورة الغفلة عن هذه الأخطار وضرورة التصدي لها.
ثانيًا: المرابطة على ثغر النفس: