إن حفظ النفس المسلمة مقصد شرعي ضروري أولته الشريعة عنايةً فائقة، ففي الحديث عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأةً ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: لا. ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال:"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" [737] ، وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن امرأةً قتلت ضَرَّتها بعمود فسطاط، فأُتي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى على عاقِلَتها بالدية وكانت حاملًا فقضى في الجنين بغرَّة. فقال بعض عَصَبتها: أندي من لا طَعِم ولا شَرِب ولا صاح فاستهل، ومثل ذلك يُطَل. قال: فقال: سجعٌ كسجع الأعراب" [738] ، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" [739] ، والشاهد من هذه الأحاديث بيان مدى اهتمام الشرع بالنفس طلبًا وحفظًا؛ أما الطلب فبالحث على التناسل والتكاثر، وقد جعل الشرع لذلك غاية هي أسمى الغايات ألا وهي التنافس في توحيد الله وعبادته، وأما الحفظ فمن جهة التنبيه على أهمية وحرمة نفس المسلم في كل مرحلة من مراحل حياته، حتى لو كان جنينًا في مراحل الحمل المبكرة، ومن جهة التنبيه على عظم مكانة النفس المسلمة عند الله عز وجل، حتى إن فوات الدنيا بأكملها أهون عند الله تعالى من فوات نفسٍ موحِّدة واحدة، ولا شك أن هذا يولِّد الدافع على حفظ الأنفس وحقن دمائها، فإذا أتيت إلى دور الطبيب المسلم في مرابطته على هذا الثغر وجدت أن تصدي الطبيب المسلم لاختراقات العدو على جبهة طلب النسل داخلًا في هذا الجهاد، فالطبيب المسلم العاقل لا ينخدع بمسوغات ترويج وسائل منع الحمل وما يُدعى تلبيسًا وتضليلًا (تنظيم الأسرة) ، وهو يضبط وصف هذه الوسائل للمريض بالضوابط الشرعية الصحيحة، من حيث دفع ضررٍ أكبر كأن يغلب الظن على أن الحمل خطر على حياة الأم، ويتورع كل الورع عن وصف الوسائل غير المشروعة لمنع الحمل كاللولب والوسائل الدائمة كقطع أو ربط الأنابيب [740] ، وإن الواقع المؤلم الذي نعيشه اليوم نتيجة استرسال الأطباء والنساء في تعاطي موانع الحمل دون وازع من دين أو ورع من تقوى الله أو وعي لمكائد العداء، قد أفضى بكثير من الأسر المسلمة إلى ذلك الانكماش العددي الذي لا يتناسب مع طبيعة التحديات التي تواجهه أمتنا شرقًا وغربًا؛ نعم نريد التكاثر النوعي والكيفي ولكن ذلك لا يستلزم التفريط بالكثرة المطلوبة والمقصودة شرعًا، بل أقول نحن أُمة جهادٍ واستشهاد، وإن العقل والحس يشهدان أنه كلما كان للمرء نصيب أكثر من الذرية والنسل، كلما كان أقدر على بذل الولد والولدين في سبيل الله، ولئن كانت مخططات التجفيف الكمي للمسلمين تروَّج في العيادات والمشافي ومراكز الرعاية الأولية حيث توزع وسائل منع الحمل بالمجان، فإن أحد محاور صد هذا الهجوم يجب أن تنطلق في هذه العيادات والمشافي والمراكز، وأقول بكل صراحة ووضوح إن على كل طبيب مسلم أن يرعوي وينزجر عن القيام بهذا الدور المشبوه في ترويج هذه الوسائل ونشرها، وأن يتقي الله تعالى في كل مرة يصف فيها وسيلةً من وسائل منع الحمل سائلًا نفسه: هل هناك استطباب طبي حقيقي وإذن شرعي معتبر لاستعمال مانع الحمل، وهل الوسيلة المعينة لمنع الحمل مأذون بها شرعًا أم لا؟ فإن كان جواب أحد السؤالين السابقين النفي فليعلم هذا الطبيب أنه متعاونٌ على الإثم والعدوان، وأنه من حيث يدري أو لا يدري قد أصبح أداةً للفت في عضد المسلمين ولتوهين جموعهم خدمةً لأعدائهم، والعكس صحيح حيث يقف موقف الطبيب المسلم الواعي الحاذق الذي يوازن بين مصلحة المريضة والحذر من مفاسد ومكائد العدو، ولا تحسبن الكلام مبالغًا فيه البتة فإن قليلًا من النظر والتأمل فيما يجري في مجتمعاتنا كفيلٌ بجلاء وجه الحق إن شاء الله."