فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 1037

فإذا تجاوزنا مرحلة طلب النسل وضرورة التصدي لمحاولات تحجيمه جاءت المرحلة الثانية التي اعتنى الإسلام بها ألا وهي مرحلة حفظ الجنين كما تقدم في حديث دية الجنين، ولقد بدأ الاسترسال في مسألة الإجهاض يستشري في مجتمعاتنا، والمؤسف أن بعض الفتاوى المعاصرة قد استرسلت في الإفتاء بالجواز بناءً على تعليلات لا يصح اعتبارها شرعًا، ولعل من يتأمل حديث الغامدية حيث أتت الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت:"يا رسول الله طهرني"فقال:"ويحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه"فقالت:"أراك تريد أن تردَّدني كما ردَّدت ماعز بن مالك؟"قال:"وما ذاك؟"قالت: إنها حبلى من الزنا. فقال:"أنتِ؟"قالت:"نعم". فقال لها:"حتى تضعي ما في بطنك". قال: فكفلها رجلٌ من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"قد وضَعَت الغامدية". فقال:"إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يُرضعه"فقام رجلٌ من الأنصار فقال:"إليَّ رضاعه يا نبي الله"قال: فرجَمَها. [741] ، والشاهد في هذا الحديث العظيم أن الغامدية قد استحقت إقامة الحد عليها بالرجم لإقرارها بالزنى وهي محصنة، ولكن لمَّا علم رسول الله صلى الله عليه سلم أنها حبلى أجَّل إقامة الحد إلى ما بعد الولادة حفظًا للجنين الذي لا ذنب له، ومعلوم أن إقامة الحد بعد ثبوت موجبه واجبٌ لا يملك أحد تأخيره أو تعطيله إلا لعذر معتبر شرعًا، فلما أجَّل الرسول صلى الله عليه سلم إقامة الحد علمنا أن حياة الجنين معتبرةٌ شرعًا، ولمَّا لم يسأل صلوات الله وسلامه عليه الغامدية عن عمر الحمل مع احتمال أن يكون قبل الأربعين يومًا أو المائة والعشرين يومًا - وهو عمر نفخ الروح في الجنين - علمنا أن حياة الجنين معتبرة في كل مراحلها، لأن القاعدة في الأصول أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال دليل إرادة العموم في المقال، فاعتبار حياة الجنين عام يشمل كل مراحله، إذ لو كانت حياة الجنين قبل نفخ الروح مرخص في فواتها لما جاز تأجيل الحد الواجب لأجلها، فلما أجَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد بدون تحري عمر الحمل علمنا أن حياة الجنين معتبرة في كل مراحلها، هذه مع ملاحظة أن إخبار الغامدية عن نفسها أنها حبلى وعدم ظهور أمارات ذلك عليها بحيث يميزه الناس يرجح أن حبلها كان في مرحلة مبكرة لا يبعد أن تكون قبل اليوم المائة والعشرين، ولقد استطردت في هذه المسألة قليلًا لأن بعض الاجتهادات الفقهية ترى جواز الإجهاض قبل المائة والعشرين يومًا لاعتبار عمر نفخ الروح ونحن لا نخاصم في هذا الحد (أي نفخ الروح في اليوم العشرين بعد المائة) فلقد ثبت بالسنة الصحيحة، ولكن نخاصم في كونه علة لجواز الإجهاض، وما قلناه من ترك الاستفصال عن عُمر حمل الغامدية يُقال مثله في حديث دية الجنين فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستفصل ويتحرى عمر الجنين حين قضى فيه بالدية، مما يدل على أن حياته معتبرة وأن الاعتداء عليه معتبر شرعًا بغض النظر عن عمر الحمل، وإن من يتأمل اللوزام الفاسدة المترتبة على القول بجواز هذا الإجهاض ليدرك أن الحق الذي لا مرية فيه بخلافه، وعسى الله أن ييسر الرد على هذا وبيانه في رسالة مستقلة والحديث هنا منصبٌ على ما سوى حالات الضرورة فليتنبه.

ثم إذا تأملت بقية حديث الغامدية وكيفية مراعاة النبي صلى الله عليه سلم لكفالة الطفل ورضاعته قبل المباشرة في رجم الغامدية، لعلمت كمال عناية الإسلام بالنفس وطلب أسباب بقائها ورعايتها، وحسبك من ذلك الأمر القرآني العام:"ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا" [742] ، ولا بد للطبيب المسلم في هذا المقام من أن يمارس مهتنه في رعاية وحفظ نفس المريض من هذه المنطلقات الشرعية التي تجتهد في صون النفس المعصومة، إن مكافحتنا لخبائث التدخين والخمر والمخدرات والأمراض المنتقلة عبر الجنس والأمراض السارية وغيرها يجب أن ينطلق من منطلق مراعاة مقاصد الشريعة في حفظ الأنفس المعصومة، لا مجرد الممارسة التقليدية العمياء التي لا تنطلق من مبدأ شرعي ولا تمضي نحو غاية شرعية، وإن هذا المنطلق والغاية هما الكفيلان بإذن الله بتوجيه الطبيب المسلم نحو دوره في كشف ومجاهدة مؤامرات ومكائد الأعداء الهادفة إلى الفتك بمجتمعاتنا من خلال هذه الأمراض الهدامة، وإن دور الطبيب في التنبه لهذا كله وتحذير مجتمعه المسلم منه لدورٌ عظيم لا يليق به أن يتوانى عن القيام به أو يتقاعس عن المرابطة على ثغره.

ثالثًا: المرابطة على ثغر العقل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت