فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 1037

إن العقل مناط التكليف، ولقد جاءت شريعتنا الغراء بكل ما من شأنه حفظ هذه النعمة، وبدرء كل ما يفضي إلى الإضرار بها نقصًا أو تلفًا، تأمل كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير،والخمر ما خامر العقل" [743] ، والشاهد في قوله (والخمر ما خامر العقل) أي غطى عليه وستره وحجبه، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"كل مسكرٍ حرام" [744] ، وإن من واجب الطبيب المسلم أن يسهر على حراسة هذا الثغر، وأن يعنى به أيما عناية لأنه مناط تحمل تكاليف الشرع، ومناط القيام بواجب العبودية لله تعالى، ولا بد لنا في هذه المرحلة الحرجة من مراحل الصراع أن ننطلق في توجيه المريض والمجتمع المسلم من منطلقاتنا الشرعية في حفظ وصيانة العقل المسلم، حتى يكون الدافع لدينا أشد والوازع عند المريض أقوى على الوقوف عند ما نهى الله تعالى عنه مما فيه ضرر على عقولنا، إن تسرب الخمر أم الخبائث إلى مجتمعاتنا ودولنا تحت غطاء من القانون الوضعي العلماني، بل وتحت حماية القانون وفي ظل تعطيل حدود الله الرادعة عن اقتراف هذه الجريمة لَيجعل من مهمة الطبيب أمرًا عسيرًا، ولكن أي شيء يكون الجهاد بغير هذه المشقة والعناء، وهل الجهاد إلا بالمشقة والتعب والنَصَب واستفراغ الوسع والوقت والجهد والمال والبدن في سبيل تحصيل مرضاة الله عز وجل؟ على الطبيب المسلم إذًا أن يكون صريحًا وواضحًا مع كل من تجب مناصحته لله من حاكم ومسؤول ومحكوم من عوام المسلمين وخاصتهم، فيكون ناصحًا أمينًا يلتزم في إنكاره آداب الشرع بلا هرج ومرج، وبلا رعونة وتهور، وإنما السلوك الشرعي المنضبط الذي يُحسن من خلاله توظيف معطيات العلم اليقينية التي تثبت خطورة هذه السموم على أمن مجتمعاتنا المسلمة، فيستنهض همم المجتمع بكل طبقاته لمكافحة هذه الخبائث، ويثير في المجتمع بكل طبقاته الدافع على العودة إلى تحكيم شرع الله، وتطبيق حدوده تعبدًا لله تعالى وتحصيلًا لمقاصد الشرع في مجال حفظ النفس والعقل،وهل جاءت شريعتنا الغراء إلا لتحصيل مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة؟

إن نظرةً واحدةً إلى سراية الأمراض والمضاعفات المترتبة على استشراء هذه السموم في مجتمعاتنا اليوم كفيلة بأن يتفرغ بعض أطبائنا- بكل ما تعنيه كلمة التفرغ من معنى - إلى العمل على مكافحة هذه الخبائث، بدءًا بتقييم حجم الضرر الواقع في مجتمعاتنا، وانتقالًا إلى التوعية حول هذه الأضرار والأخطار الفردية والجماعية، ومرورًا بالمناصحة والتواصل مع المسؤولين من أجل تجفيف منابع التدمير العقلي هذه، ومن ثم إيجاد صيغ عملية تطبيقية لاجتثاث هذه الاثام والخبائث من مجتمعاتنا، أما مجتمعات الكفر فلتهنأ بكأس الخمر الذي تتجرعه كل يوم للوقاية من أمراض الشرايين القلبية، ولتهنأ بما تتفتق به الدوريات الطبية من أمثال هذه الترهات، إذ أن أيًا من هذه الدوريات لم ولن يتنبه يومًا إلى أثر طينة الخبال التي توعد وتعهد الله تعالى شاربَ خمر الدنيا بسقياها يوم القيامة، فذرهم في سكرتهم سادرون، وذرهم في طغيانهم يعمهون، أمَّا أن نسير وراءهم متخبطين ثمالى فتلك والله الطامة الكبرى.

رابعًا: المرابطة على ثغر العرض والنسل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت