وَلَا سُنَّةٍ , وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ , وَلَا قِيَاسٍ , وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْقَلُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِثْلِ هَذَا كُلِّهِ , إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ مُفْسِدًا فَجَمِيعُ أَفْعَالِهِ مَرْدُودَةٌ - حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَحْجُرْ , وَإِذَا رَشَدَ فَجَمِيعُ أَفْعَالِهِ نَافِذَةٌ - حَلَّ عَنْهُ الْقَاضِي الْحَجْرَ أَوْ لَمْ يَحِلَّ - وَكُلُّ مَا أَدْخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ , حَاشَا مَا يَدْخُلُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَقَطْ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَقُّ الْوَاضِحُ هُوَ مَا قُلْنَاهُ , وَهُوَ أَنَّ كُلَّ بَالِغٍ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ , فَحُكْمُهُمْ , كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُمْ مَنْدُوبُونَ إلَى الصَّدَقَةِ , وَالْعِتْقِ , مُبَاحٌ لَهُمْ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَالشِّرَاءُ , مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ إتْلَافُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , وَإِضَاعَتُهُ وَالْخَدِيعَةُ عَنْهُ وَالصَّدَقَةُ بِمَا لَا يُبْقِي لَهُمْ غِنًى كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } . وَكَمَا قَالَ عليه السلام: { الدِّينُ النَّصِيحَةُ ؟ قِيلَ لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ } . وَكَمَا قَالَ عليه السلام: { لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا } . وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ } وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } وَكُلُّ مَنْ تَصَدَّقَ وَأَعْتَقَ , وَفَعَلَ الْخَيْرَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى -: نَفَذَ , وَلَمْ يَحِلَّ رَدُّهُ وَكُلُّ مَنْ أَعْتَقَ وَتَصَدَّقَ عَنْ غَيْرِ ظَهْرِ غِنًى -: رَدَّ وَبَطَلَ ; لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ إلَّا مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ , وَلَا مَعْصِيَةَ إلَّا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ , فَالصَّدَقَةُ بِمَا لَا يُبْقِي غِنًى مَعْصِيَةٌ , وَالصَّدَقَةُ بِمَا يُبْقِي غِنًى طَاعَةٌ . وَكُلُّ مَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَخُدِعَ أَوْ خَدَعَ -: فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَدِيعَةَ وَالْغِشَّ , وَكُلُّ مَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَلَمْ يَغْبِنْ وَلَا غَشَّ فَنَافِذٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْبَيْعَ . وَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ فِي مَعْصِيَةٍ فَلْسًا فَمَا فَوْقَهُ - فَمَرْدُودٌ . وَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ كَمَا أُمِرَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ -: فَنَافِذٌ لَازِمٌ , وَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ إبْطَالَ حَقٍّ وَلَا الْمَنْعَ مِنْ الطَّاعَةِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَةٍ عَصَاهَا ذَلِكَ الْمَمْنُوعُ , أَوْ خِيفَ أَنْ يَعْصِيَهَا وَلَمْ يَعْصِ بَعْدُ كَمَا لَمْ يُبِحْ أَنْ تَنْفُذَ مَعْصِيَةٌ , وَأَنْ يَمْضِيَ بَاطِلٌ مِنْ أَجْلِ بَاطِلٍ عَمِلَ بِهِ ذَلِكَ الْمُخِلُّ وَمَعْصِيَتِهِ , بَلْ الْبَاطِلُ مُبْطَلٌ قَلَّ وُجُودُهُ مِنْ الْمَرْءِ أَوْ كَثُرَ , وَالْحَقُّ نَافِذٌ قَلَّ وُجُودُهُ مِنْ الْمَرْءِ أَوْ كَثُرَ - . هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ وَشَهِدَتْ لَهُ الْعُقُولُ , وَمَا عَدَا هَذَا فَبَاطِلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ , وَتَنَاقُضٌ لَا يَحِلُّ , وَقَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ , وَالسُّنَنِ , وَالْعُقُولِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ أَعْتَقَ الْمَحْجُورُ نَفَذَ عِتْقُهُ , وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى لَهُ فِي قِيمَتِهِ - فَكَانَتْ هَذِهِ طَرِيفَةً جِدًّا وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ اسْتَحَلَّ إلْزَامَ الْعَبْدِ السَّعْيَ هَهُنَا فِي هَذِهِ الْغَرَامَةِ ؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ , وَأَصْحَابُنَا: مَنْ بَلَغَ مُبَذِّرًا فَهُوَ عَلَى الْحَجْرِ كَمَا كَانَ ; لِأَنَّهُ مَجُورٌ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ فَلَا يُفَكُّ عَنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ . قَالُوا: فَإِنْ رَشَدَ ثُمَّ ظَهَرَ تَبْذِيرُهُ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ , لَكِنْ يَنْفُذُ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَيُرَدُّ مِمَّا خَالَفَ الْحَقَّ كَغَيْرِهِ سَوَاءٌ . قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: قَدْ لَزِمَهُ الْحَجْرُ بِيَقِينٍ , فَلَا يَنْحَلُّ عَنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ -: فَقَوْلٌ صَحِيحٌ , وَالْيَقِينُ قَدْ وَرَدَ , وَهُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالصَّدَقَةِ , وَأَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ بِالْعِتْقِ , بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْبَيْعِ إذَا بَلَغَ , وَعَلَى النِّكَاحِ إذَا كَانَ مُخَاطَبًا بِسَائِرِ الشَّرَائِعِ وَلَا فَرْقَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِأَشْيَاءَ يَجِبُ إيرَادُهَا , وَبَيَانُ فَاسِدِ احْتِجَاجِهِمْ بِهَا , وَوَضْعِهِمْ النُّصُوصَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا , وَبَيَانُ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالُوا: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } قَالُوا: فَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ نَدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ إينَاسِ