الِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي مُعَارَضَةِ السُّنَنِ , وَكُلُّهَا عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلِهَا - أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا مُرْسَلَاتٌ , أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ مَالِكٌ - عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَمَا أَدْرَاك مَا شَيْخٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ؟ لَيْتَ شِعْرِي أَبِهَذَا يَحْتَجُّونَ إذَا وَقَفُوا فِي عَرْصَةِ الْقَضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ عِيَاذُك اللَّهُمَّ مِنْ التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ . ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا مُتَعَلَّقٌ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إبْطَالُ مَا حَكَمَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَنَّهُ { لَا بَيْعَ إلَّا بَعْدَ التَّفَرُّقِ أَوْ التَّخْيِيرِ } . وَكَلَامُ عُمَرَ هَذَا لَوْ سَمِعْنَاهُ مِنْ عُمَرَ لَمَا كَانَ خِلَافًا لِقَوْلِنَا ; لِأَنَّ الصَّفْقَةَ مَا صَحَّ مِنْ الْبَيْعِ بِالتَّفَرُّقِ , وَالْخِيَارَ مَا صَحَّ مِنْ الْبَيْعِ بِالتَّخْيِيرِ , كَمَا قَالَ عليه السلام , وَحَكَمَ أَنْ { لَا بَيْعَ بَيْنَ الْبَيِّعَيْنِ إلَّا بِأَنْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ } فَكَيْفَ , وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِنَا نَصًّا ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ نا لَيْثٌ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: أَقْبَلْت أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَك ؟ ثُمَّ جِئْنَا إذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِيك وَرِقَك ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَلًّا وَاَللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إلَيْهِ دِرْهَمَهُ . فَهَذَا عُمَرُ يُبِيحُ لَهُ رَدَّ الذَّهَبِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَتَرْكِ الصَّفْقَةِ . فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ الْتَمَسَ , صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ؟ قَالَ: فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي وَأَخَذَ ذَهَبَهُ فَقَلَّبَهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَنِي خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ وَعُمَرُ يَسْمَعُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَهُ . فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ الصَّرْفَ قَدْ كَانَ قَدْ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا - فَصَحَّ أَنَّ عُمَرَ وَبِحَضْرَتِهِ طَلْحَةُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ فَسْخَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ . ثُمَّ لَوْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مَا ادَّعَوْهُ مَا كَانَ فِي قَوْلِهِ حُجَّةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَلَيْهِ , وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ وَمَعَهُ السُّنَّةُ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ ؟ أَوَّلُ ذَلِكَ هَذَا الْخَبَرُ نَفْسُهُ , فَإِنَّهُمْ رَوَوْا عَنْ عُمَرَ كَمَا تَرَى"وَالْمُسْلِمُ عِنْدَ شَرْطِهِ"وَهُمْ يُبْطِلُونَ شُرُوطًا كَثِيرَةً جِدًّا . وَنَسُوا خِلَافَهُمْ لِعُمَرَ فِي قَوْلِهِ: الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . وَأَخْذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ الرَّقِيقِ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارًا . وَإِيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي نَاضِّ الْيَتِيمِ . وَتَرْكِهِ فِي الْخَرْصِ فِي النَّخْلِ مَا يَأْكُلُ أَهْلُهُ - وَالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ , وَأَزِيدَ مِنْ مِائَةِ قَضِيَّةٍ - فَصَارَ هَهُنَا الظَّنُّ الْكَاذِبُ فِي الرِّوَايَةِ الْكَاذِبَةِ عَنْ عُمَرَ: حُجَّةً فِي رَدِّ السُّنَنِ . فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بَيْعٌ إلَّا عَنْ صَفْقَةِ وَتَخَايُرٍ - هَكَذَا بِوَاوِ الْعَطْفِ - وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ , وَمُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا , وَمُوجِبٌ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَرَ الْبَيْعَ إلَّا مَا جَمَعَ الْعَقْدَ , وَالتَّخْيِيرُ سِوَى الْعَقْدِ , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا قَبْلُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ , فَظَهَرَ فَسَادُ تَعَلُّقِهِمْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتِ عَنْهُ: مَا أَدْرَكْت الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ عَجَائِبِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْخَبَرِ -: فَالْحَنَفِيُّونَ يَقُولُونَ: بَلْ هُوَ مِنْ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ يُسَلِّمُهُ إلَيْهِ الْبَائِعُ - وَالْمَالِكِيُّونَ يَقُولُونَ: بَلْ إنْ كَانَ غَائِبًا غِيبَةً بَعِيدَةً فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ . فَمَنْ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِخَبَرٍ هُوَ عَلَيْهِ لَا لَهُ , وَيُجَاهِرُ هَذِهِ الْمُجَاهَرَةَ ؟ وَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا شَيْءٌ====