فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 1037

والثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير وكل حركة في الحياة . التوجه بها إلى الله خالصة والتجرد من كل شعور آخر ومن كل معنى غير معنى التعبد لله (2) .

نعم ... بهذا الاستسلام وبهذا الانقياد يكون الفرد عبدا لله ، عبدا يوظف كل ما يملك من نعم مادية أو معنوية ابتغاء مرضات الله ويجعلها ذخرا وزادا ليوم المعاد استعدادا . قال تعالى: { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } [ القصص: 77 ] وليعلم الإنسان أنه إن لم يعبد الله حق العبادة فإنه لا شك سيعبد الشيطان الذي أخذ عهدا على نفسه بأن يغوي بني آدم ويزين لهم الضلال ويحبب إليهم المنكرات . فينبغي على كل مسلم أن يكون حذرا حتى لا يقع في حبائل الشيطان ومصائده فيسلم من شره ويصبح من عباد الله المخلصين كما قال تعالى في حوار مع الشيطان: { قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [ الحجر: 39-42 ] .

فعبد الله المخلص يوحد الله بالعبادة ولا يدع للشيطان مجالا أو منفذا يصل إليه منه . ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - الأساس العقدي لهذا الأمر فيقول: ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده فلابد أن يكون عابدا لغيره ، يعبد غيره فيكون مشركا وليس في بني آدم قسم ثالث ، بل إما موحد أو مشرك أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام (1)

فالإنسان يحدد بنفسه إما أن يكون عابدا لله أو عابدا للشيطان ، وبيده تحقيق غاية وجوده ، وبالتالي تحديد مصيره .

ثالثا: المصير

إن أي مخلوق مهما امتد أجله وطال عمره فإن له نهاية محتمة ، فكل نفس ذائقة الموت ، الموت الذي قدره الله عز وجل على خلقه وكتبه على عباده وانفرد جل شأنه بالبقاء والدوام ، قال تعالى { كل نفس ذائقة الموت } [ آل عمران: 185 ]

وقال أيضا: { ألهاكم التكاثر ، حتى زرتم المقابر } [ التكاثر: 1، 2 ] ، ففي آيتين من خمس كلمات فقط يصور القرآن الكريم حال الدنيا وما بعدها ، فهي حياة ملهية ثم زيارة وأي زيارة ، زيارة منتهية لا محالة ويكون بعدها الانتقال إلى دار الحساب ، ولكن تلك الزيارة أي فترة البقاء في القبور لا يعلم مداها إلا الله ومع ذلك فنحن نعلم من ديننا أن تلك الحفرة الضيقة ستكون على صاحبها أحد أمرين: إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، كما ورد في حديث البراء بن عازب الطويل [ انظر سنن أبي داود حديث رقم 3212 ] وغيره من الأحاديث . يقول ابن القيم: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب ، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة ، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد وقاموا من قبورهم لرب العباد ، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. (1)

فإذا مات الإنسان فهذه قيامته وهي القيامة الصغرى ، أما القيامة الكبرى فتكون عندما يؤذن بالنفخ في الصور فيحشر جميع العباد ، قال تعالى: { يوم ترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة } [ النازعات: 6 ، 7 ] عندئذ ترتجف القلوب والأفئدة وتحتار العقول والأفهام كما قال تعالى: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } [ الحج: 2 ] . ويصور هول ذلك اليوم أيضا قوله تعالى: { يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [ لقمان: 33 ] .

وإذا تأملنا القرآن الكريم وجدنا آيات كثيرة جدا تعرض لذلك اليوم من زوايا متعددة ومشاهد مختلفة ، وتعني هذه المشاهد بتصوير الهول في يوم القيامة ، ذلك الهول الذي يشمل الطبيعة كلها ويغشى النفس الإنسانية ويهزها ولا يكاد يخلو مشهد واحد من اشتراك الأحياء فيه ...، وتعني هذه المشاهد أيضا بتصوير مواقف الحساب قبل النعيم والعذاب ، وهنا نلتقي بألوان شتى من طرق العرض الكثيرة وسمات شتى للموقف المعروض (2)

وتبين السنة كذلك بعض أهوال ذلك اليوم العصيب ، ففي حديث الشفاعة يقول صلى الله عليه وسلم: يجمع الله الناس ـ الأولين والآخرين ـ في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد بلغكم ؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ، [ البخاري: 3/250 ] ، ومن حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا فقلت يا رسول الله النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ فقال يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض [ مسلم: 4/ 2194 ]

ومن حديث المقداد ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ، قال وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه [ مسلم: 4/ 2196 ]

فهذه الأهوال وغيرها تنتظر كل إنسان ولن ينجو منها أحد فالكل صائرون إلى الله يقول تعالى: { يقول الإنسان يومئذ أين المفر ، كلا لا وزر ، إلى ربك يومئذ المستقر ، ينبؤا الإنسان يؤمئذ بما قدم وأخر } [ القيامة: 10 ـ 13 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت