فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 1037

وبعد أن يقوم الناس لرب العالمين تجازى كل نفس بما كسبت ويلاقي كل عبد ما قدم ، قال تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } [ البقرة: 281 ] وقال: { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [ النور: 25 ] ويقول صلى الله عليه وسلم فيم يرويه عن ربه عز وجل: ....يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، [ مسلم: 4/ 1994 ]

ويقول تعالى أيضا: { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى } [ طه: 74- 76 ]

فهذه هي الخاتمة ، خلود دائم وحياة لا تنتهي ، فمن زكى نفسه فإلى دار النعيم ومن دساها فإلى الجحيم والعياذ بالله ، فليختر كل امرئ ما يريد ، قال تعالى: { ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها } [ الشمس: 7-9 ]

نخلص من هذا القول بأن العبد يمر بثلاث مراحل: الحياة الدنيا فالقبر ثم الخلود ، وهذه المراحل لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى ، وهناك مغيبات كثيرة في هذه المراحل لا نعلم منها إلا ما ثبت في الكتاب والسنة ، والمسلم الحق يؤمن ويصدق بها وإن لم يستطع عقله أن يتصورها أو يدرك كنهها .

يقول ابن أبي العز الدمشقي: والحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار ، وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها ، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على الأبدان ، والأرواح تبع لها ، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح ، والأبدان تبع لها فجاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا (1)

الفصل الثاني

مبادئ التربية الذاتية من الكتاب والسنة

المبحث الأول: الحرية

المبحث الثاني: المسئولية والجزاء

المبحث الثالث: الاهتمام بالغير

مقدمة

يزخر القرآن الكريم والسنة المطهرة بالعديد من المبادئ والأسس التي تنير الطريق للفرد المسلم وللمجتمعات المسلمة لتحقيق غايتها من الوجود فهناك مبادئ التربية الخلقية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والجنسية والروحية والجسمية ، وهناك أيضا مبادئ التربية الذاتية وغيرها ، وفي مجال التربية الإسلامية تسعى كل من هذه المبادئ للوصول بالإنسان إلى غاية خلقه ووجوده وتحقيق دوره في الحياة ، ويحسن بالباحث قبل المضي قدما توضيح المقصود بكلمة المبادئ وماذا نعني بقولنا: أن هناك مبادئ في التربية الإسلامية ثم ما هي وظيفة مبادئ التربية الذاتية .

يقول ابن منظور: البدء فعل الشيء أول ، .. والبدء والبدئ: الأول وأبدأت بالأمر بدءا: ابتدأت به ، وبادئ الرأي: أوله وابتداؤه ، وقال الفراء: لا تهمزوا بادي الرأي أي أول الرأي لأن المعنى فيما يظهر لنا ويبدو ، وقال: ولو أراد ابتداء الرأي فهمز كان صوابا (1)

وصرح هارون بكلمة المبادئ فقال: المبدأ مبدأ الشيء أوله ومادته التي يتكون منها كالنواة مبدأ النخل ، أو يتركب منها كالحروف مبدأ الكلام ، وجمعها مبادئ ، ومبادئ العلم أو الفن أو الخلق أو الدستور أو القانون: قواعده الأساسية التي يقوم عليها ولا يخرج عنها (2)

وبالنظر إلى البحوث والدراسات التربوية المعاصرة وجد الباحث أن معظمها لم يتطرق إلى تعريف واضح محدد للمبادئ ، فتجد كتابا أو بحثا بعنوان مبادئ تربوية في كذا أو لكذا ، وإذا ما تصفحت ذلك الكتاب أو البحث تجد أن المؤلف أدرج بعض المفاهيم التربوية معتبرا إياها دون أن يوضح ماذا يقصد بهذا المصطلح التربوي ، وممن عرف هذا المصطلح عبد الرحمن النحلاوي حيث قال إن كلمة المبدأ تعبر عن: فكرة شاملة تنبثق عنها أفكار فرعية أو تنظم على ضوئها عمليات فيزيائية أو كيماوية أو تربوية أو علاقات اجتماعية ، وتأتي المبادئ على الأغلب مصرحا بها أو متضمنة في البحوث أو القصص أو التشريعات أو مجموعة مرتبة في العلوم الطبيعية ، أما مبادئ التربية الإسلامية فيجدها الباحث موزعة في القرآن والسنة (1)

وفي موضع آخر يحدد النحلاوي المبادئ التربوية الإسلامية بأنها: قواعد وقوانين تربوية عامة واسعة الشمول مقتبسة من القرآن والسنة (2)

ويرى الباحث أن التعريفات السابقة غير وافية لتعريف المبادئ التربوية الإسلامية ، وتمحيصا لما ذكر يستخرج الباحث تعريفا يراه جامعا ، فمبادئ التربية الإسلامية هي: قواعد أساسية شاملة تستنبط مباشرة من الكتاب والسنة وتنبثق عنها سلوكيات الفرد المسلم والمجتمع المسلم

ولا يقتصر غياب هذا المفهم على المؤلفات النظرية بل يتعداه إلى الواقع العملي في حياة كثير من المسلمين ، ومما يتأكد لدى كل عاقل حصيف أن المبادئ الإسلامية عموما تبقى كذلك وإن تخلى عنها أصحابها أو تهاونوا في التمسك بها والخاسر الوحيد هو من أعرض عنها ، قال تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم ، إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم } [ آل عمران: 176 ، 177 ]

وقال تعالى أيضا: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم } [ محمد: 32 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت