والآيتان السابقتان ـ وإن كانتا تتحدثان عن حال الكافرين أو المرتدين ـ إلا أنهما تنطبقان على واقع بعض المسلمين الذين تركوا المبادئ الإسلامية الأصيلة لينهلوا من مبادئ الشرق أو الغرب ، والاستشهاد بالآيتين هنا لبيان الحال فقط والله أعلم بالمآل . وتعتبر مبادئ التربية الإسلامية بحق عنصرا أصيلا وركنا ركينا في مسيرة المربين والمريدين يهتدي بهديها ويسار على خطاها لتؤتى العملية التربوية أكلها كل حين بإذن ربها .
أما فيما يتعلق بهذا البحث فإننا نعرف مبادئ التربية الذاتية بأنها الأسس والركائز التي تضع الفرد المسلم أمام نفسه ليرى مدى تطويعه لهذه المبادئ لتحقيق العبودية الحقة لله سبحانه وتعالى ، وهي تذكرة بدوره ووظيفته كفرد مسلم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أنها تجعله يسائل نفسه دائما ويراجعها مقوما ومرشدا لكي يستفيد من ذلك في سيره إلى ربه على صراط مستقيم ، قال تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } [ الأنعام: 153 ]
عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ، [ أحمد: 1/ 435 ]
وعن النواس بن سمعان ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضرب الله تعالى مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط الإسلام والسوران حدود الله تعالى والأبواب المفتحة محارم الله تعالى وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق: واعظ الله في قلب كل مسلم ، [ أحمد: 4/182 وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 3782 ]
لا ريب أن مبادئ التربية الذاتية تستثير واعظ الله في قلب كل مسلم للمبادرة إلى فعل الطاعات وترك المنهيات بجميع أنواعهما ، أي لتربية ذاته وتزكيتها وتقويمها .
وقد اختار الباحث بعض مبادئ التربية الذاتية المستنبطة من الكتاب والسنة للحديث عنها وقسمت إلى المباحث التالية:
1ـ الحرية
2ـ المسؤولية والجزاء
3ـ الاهتمام بالآخرين
وسوف يتناول البحث كلا منها بشيء من التفصيل والتوضيح
المبحث الأول
الحرية
مقدمة:
تتضمن الحرية تقرير المصير وهي من هذه الناحية تتفق مع التربية الذاتية ، ولذلك تعتبر الحرية إحدى العلامات المميزة للطبيعية الإنسانية وبها يقرر الفرد ما سيكونه وما سيفعله وما سيعتقده (1)
ولذا فهي من أبرز عوامل تحقيق الذات الإنسانية والتي تسعى التربية لتحقيقها لتكوين شخصية الفرد ، وقد وضع الشرع الحنيف أسسا واضحة لكل فرد لممارسة الحرية بحيث لا تستبد به رغباته وأهواؤه فتزل قدمه ويضل فكره ويخسر دنياه وآخرته .
قال تعالى: { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } [ ص:26 ]
وقال أيضا: { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } [ القصص: 50 ]
فالحرية الفردية في الإسلام محددة بضوابط وقيود تجعلها مرتبطة بالأصل الأصيل الذي خلق الإنسان لأجله ألا وهو العبودية لله تعالى ، وهذا التشريع ليس سلبا للأفراد حريتهم بل من أجل أن يجنب البشرية الخوض في مزالق الردى ومهاوي الضلال قرونا طويلة ظلوا يتخبطون فيها ويتعثرون في تجاربهم وتؤدي بهم هذه التجارب إلى دمار الأجيال (2)
ومن فوائد هذا التشريع أيضا أن تراعى حقوق المجتمع ومتطلباته التي قد تتعارض أحيانا مع حق الفرد وحريته ، وقد صور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تصويرا بليغا فقال: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا، [ البخاري: 3 / 207 ]
فليس هناك فرد يعيش لوحده يفعل ما يشاء وقتما يريد بحجة أن له حرية شخصية يتصرف بها وفق هواه ، بل أن القضية مرتبطة بأفراد آخرين يتأثر كل منهم بحرية الآخر ، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يراعى في جانب الحرية ، يقول محمد قطب: ليس هناك مصلحة لفرد هي مصلحته وحده وشأنه بمفرده ، كل مصلحة هي مصلحتهم جميعا ـ أي جميع الأفراد ـ وكل ضرر هو ضرر يصيبهم جميعا ولا يستطيع أحد أن يتخل عن مسئوليته في هذا السبيل (1)
ولما كانت الحرية بهذه الدرجة من الحساسية وكانت بحاجة إلى مستوى معين من التوازن ، فإن على كل فرد مراعاة ذلك في الأقوال والأفعال وتوظيف هذا المبدأ ـ مبدأ الحرية ـ وفق مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد كفل الدين الإسلامي ممثلا في الكتاب والسنة تحقيق هذا المبدأ في نفوس معتنقيه ، ويبرز ذلك في عدة جوانب منها:
1ـ حرية العقيدة والعبادة .
2ـ الحرية الفكرية .
3ـ الحرية الملكية .
4ـ الحرية العلمية .
أولا: حرية العقيدة والعبادة
ويتفرع منها عنصران هما:
1ـ حرية العقيدة .
2ـ حرية العبادة .
1ـ حرية العقيدة: