بادئ ذي بدء يقرر الإسلام حرية اعتناق الإسلام فلا يكره أحدا على تبديل عقيدته وإن كان يدعو إلى ذلك ، وفرق بين الإكراه على الإسلام والدعوة إليه . قال تعالى: { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } [ البقرة: 256 ] وقال أيضا: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [ الكهف: 29 ] . فأمر الهدى والضلال أو الإيمان والكفر بيد كل إنسان ولا حق لأحد مهما كان أن يكره غيره أو يجبره قسرا على ذلك فإن فعل فهو مستبد ظالم . يقول سيد قطب - رحمه الله -: إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف إنسان ، فالذي يسلب إنسانا حرية الاعتقاد إنما يسلبه إنسانيته ابتداء ، ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة والأمن من الأذى والفتنة وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة ... ، وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني ، التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب متعسفة ونظم مذلة لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله - باختياره لعقيدته - أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها ، فإما أن يعتنق مذهب الدولة هذا وهو يحرمه من الإيمان بإله للكون يصرف هذا الكون ، وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب (1)
وللحرية الفردية في الإسلام مسار ينبغي أن تسير فيه . يقول تعالى: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } [ البقرة: 256 ] ويقول أيضا: { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى } [ لقمان: 22 ] .
فالاستمساك بالشرع الحنيف هو المسار الصحيح للحرية الفردية ، وهو التوجيه الإلهي لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه حيث قال: { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا } [ هود: 112 ] فكان كل منهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } [ النور: 37 ] .
إن استشعار المؤمن لحرية العقيدة التي كفلها الإسلام يزيده يقينا بالهدى الذي منحه الله عز وجل له واختاره من بين كثير من الناس للاعتناق به ، ونداء الفطرة الذي أوجد في كل إنسان يقوده بسهولة إلى التشبث بالمنهج الحق دون عناء أو مشقة ، بل ويتحمل في سبيله كل المصاعب والآلام والعقبات التي يضعها الطغاة لصرفه عن مسايرة فطرته والتمشي بموجبها ، والسبب الكامن وراء ذلك أنه لا يمكن له أن يتخلى عن تلك الفطرة التي غرست في كيانه وأصبحت جزءا لا يتجزأ من نفسه التي بين جنبيه .
نماذج واقعية في تطبيق حرية العقيدة:
وفيما يلي يستعرض الباحث تطبيقات واقعية لحرية العقيدة في حياة أفراد من خير القرون:
1ـ عندما أسلم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وأعلن إسلامه وعلمت قريش بذلك ثاروا عليه وما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم ، ولما أعيا عمر قعد وقال: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناهم لكم أو تركتموها لنا ، وبينما هم كذلك إذ أقبل العاص بن وائل السهمي فقال: ما شأنكم ؟ قالوا صبأ عمر ، قال: فمه رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن الرجل ، فتفرقوا عنه (1)
2ـ ولما أسلم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـأخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه عن هذا الدين ؟ فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه ، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه (2)
3ـ وهذا بلال وخباب وآل ياسر وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يعذبون في ذات الله من أجل أن يتنازلوا عن حريتهم ومع ذلك صبروا وتحملوا الشدائد حتى لقي بعضهم حتفه وهو في ذلك العذاب ، وبقي البعض يحدث عما لقيه من العنت والشدة ، وكلهم قد لقي الله وهو راض عنه .
2ـ حرية العبادة:
أما الحرية في العبادة فهي فرع من الحرية في العقيدة ، وحيث أن العبادة هي فعل للمأمورات وترك للمنهيات فقد وضع لنا صلى الله عليه وسلم القاعدة في ذلك قائلا: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم... [ مسلم:4/1830 ]
وهذا الحديث كما قال النووي في شرح مسلم: من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام (1)
ومن أحكامه ودلائله أنه يتعين على كل مسلم: الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنه فيكون همته مصروفة إلى ذلك لا إلى غيره وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة (2) ومن هذا الحديث يتبين لنا عدة أمور هي:
1ـ أن ما نهى عنه الشارع الحكيم يتركه الفرد المسلم بالكلية.
2ـ أن يجتهد في فعل كل الأوامر.
3ـ أن ما أمر به يفعله قدر الاستطاعة .