فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 1037

ويستنبط الباحث حرية العقيدة والعبادة معا في القرآن من قوله تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا } [ الإسراء: 18 ـ20 ]

ثانيا: الحرية الفكرية

ومن عناصرها: حرية الاجتهاد

لقد كفل الإسلام لأفراده حرية الاجتهاد وابداء الرأي وأحاط ذلك بسياج قوي من الدعم والتوجيه ، وبنظرة سريعة للفقه الإسلامي نجد أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قد اعتبروا الاجتهاد مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي ، والاجتهاد هو: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس بالعجز عن المزيد عليه (1)

وحيث أن في الاجتهاد في الأحكام الشرعية توقيعا عن رب العالمين فقد اشترط في المجتهد شروط عدة لكي يتسنى له الاجتهاد (2) ، فليس في الشريعة تحجير للعقول وكبت للآراء بل في الأمر تيسير وسعة خاصة فيما يستجد من أمور الحياة ومتطلباتها وما يعرض للناس من أقضية وأحكام .

وتؤيد نصوص الكتاب والسنة ذلك الاجتهاد في مواضع كثيرة ، يقول سبحانه وتعالى: { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين } [ 78 ، 79 ] ففي الآية الثانية اختص الله عز وجل سليمان عليه السلام بالفهم ثم أثنى على داود وسليمان عليهما السلام بالحكم والعلم ، أما ابن كثير فيقول: فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود (3)

أي كأن الله سبحانه وتعالى قد أقر كلا منهما على اجتهاده ، وثبت عن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد الحاكم ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر [ البخاري: 4 /372 ]

ويرى الباحث أن تقرير هذه النصوص من الكتاب والسنة حث لكل عبد على الاجتهاد فيما يستطيعه من الأمور التربوية أو الاجتماعية أو غيرها ، فإذا ما واجه الفرد قضية من القضايا التي لا نص فيها من الشرع وتأكد من ذلك ، أمكنه أن يعمل فكره ويشحذ ذهنه لإحراز الصواب .

أمثلة للاجتهاد من حياة الرسول وأصحابه:

وإذا تتبعنا السيرة النبوية نجد أمثلة كثيرة لاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام منها:

1ـ قبوله عليه السلام للفداء من أسرى بدر فأنزل الله معاتبا إياه على ذلك قال تعالى: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [ الأنفال: 67] فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في قضية أسرى بدر . [ مسلم: 3 /1385 ]

2ـ ما وقع منه عليه السلام من الإذن للمعتذرين أن يتخلفوا عن غزوة تبوك فأنزل الله معاتبا: { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } [ التوبة: 44 ] وهنا يعاتب الله نبيه في اجتهاده في الحكم على المتخلفين عن غزوة تبوك .

3ـ قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فصلى بعضهم في الطريق اجتهادا منهم ولم يصل البعض الآخر حتى وصلوا إلى بني قريظة ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا منهم لاجتهاده . [ مسلم: 3 / 1391 ]

4ـ قصة بعث معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن ولما سأله عليه السلام بم تحكم قال: بكتاب الله ، قال: فإن لم تجد ، قال: بسنة رسول الله ، قال: فإن لم تجد ، قال: أجتهد رأيي ولا آلو ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله . [ أبو داود: 4 /19 وأخرجه الترمذي وقال: وليس إسناده عندي بمتصل ] .

قال ابن القيم تعليقا على الحديث: وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله .

ثالثا الحرية الملكية

لقد تمشي الإسلام مع فطرة الإنسان وغريزته في حب المال وتملكه ، أتاح له فرص الكسب المختلفة وسمح له أن يحوز ثمرة جهده ونتيجة عطائه دون أن يمس كرامة غيره أو يجور عليهم في ظل الشرع الحنيف ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه . [ الترمذي: 4/529 ]

ويبين الخولي وظيفة الحافز الفردي في الملكية الفردية فيقول: إنه قانون نفساني ذو خصائص إيجابية يؤدي به المرء دوره في عمارة الأرض على أتم وجه ، ومن هذه الخصائص نزوعه إلى الاستيلاء على حصيلة عمله وأن تحقيق هذا الاستيلاء هو الاستجابة الواجبة ليحقق هذا القانون أثره الذي أراد الله له . (1)

ولكن الإسلام أباح التكسب وجمع المال ضمن ضوابط شرعية معينة وفي إطار مراتب متدرجة ، يقول الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة:

ثم الكسب على مراتب ، فمقدار ما لابد لكل أحد منه يعني ما يقيم به صلبه يفترض على كل أحد اكتسابه عينا لأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرائض إلا به ، ومما يتوصل به إلى الفرائض يكون فرضا فإن لم يكتسب زيادة على ذلك فهو في سعة من ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها . [ الترمذي: 4 / 496 ] .

وهذا إن لم يكن عليه دين فإن كان عليه دين فالاكتساب بقدر ما يقضي به دينه فرض عليه لأن قضاء الدين يستحق عليه عينا وبالاكتساب يتوصل إليه .

وكذا إن كان له عيال من زوجة وأولاد فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهم عينا لأن الإنفاق عليهم مستحق عليه وإنما يتوصل إلى إيفاء هذا المستحق بالكسب ، والكسب زيادة على ذلك فيه سعة (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت