فهرس الكتاب
وإذا حاز الإنسان على كل شيء من هذا المال وجب عليه أن يقوم بمتطلباته وتكاليفه ، فالمال الذي يمتلكه الإنسان هو مال الله وهو مستخلف فيه وهو مسئول عن كسبه وإنفاقه لا ريب ، وإذا امتلك عبد هذا المال ـ مهما كثر ـ فإنه يبقى فقيرا إلى خالقه ومولاه ، محتاجا إلى رحمته ومغفرته ، قال تعالى: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } [ فاطر: 15 ] .
يقول الخولي: وإذا أدرك الإنسان حقيقة الافتقار في نفسه عرف أنها فطرته فالتزمها وجعلها منهاجا ، وإذا استعلنت له حقيقة السلب في نفسه بدت كل المواهب نعما وإرادة من الله ومنعه ذلك أن يزهى بها على غيره ، والإحساس بالافتقار يدفع إلى الإقبال على الله ليستمد الإيجاب من معاني صفاته . (1)
فالمال عارية مردودة وإن بقي لأحد فلن يبقى له أحد حيث أنه متاع الحياة الفانية ، قال تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب } [ آل عمران: 14 ] .
ولن ينفع هذا المال صاحبه إلا إذا استغله فيما يرضي الله عز وجل ويعود عليه بالنفع والفلاح يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وفي ذلك حث وتحريض لكل من يملك أن يستبدل ما عند الله من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الناقصة الفانية (1) .
وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم المال الذي ينفق في أوجه البر بقوله: نعم المال الصالح للمرء الصالح ، [ أحمد: 4 / 197 ]
إن ذاتية الفرد المالك تكمن في تغلبه على نوازعه الشيطانية وتسخير المال الذي رزقه الله لتزكية نفسه وتربيتها لتمضي مع النصوص القرآنية الكثيرة التي تشير إلى ذلك ومنها: { وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ... } [ البقرة: 177 ] { المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } [ الكهف: 46 ] .
وقوله: { وسيجنبها الأتقى ، الذي يؤتى ماله يتزكى } [ الليل: 18 ] ، { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير } [ البقرة: 265 ] ، { انفروا خفاقا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } [ التوبة: 41 ] .
إضافة إلى ذلك فإن التطبيق الصحيح لحرية التملك يخلص النفس من أنانيتها واستئثارها بما وهبها الله ، وفي التعود على البذل والعطاء راحة للضمير وسكينة للفؤاد ، وإذا أدرك المرء أن المال مال الله وأن الذي أعطاه اليوم يمكنه أن يأخذه غدا ويعطيه لغيره ، يجعله دوما يشعر بالحاجة إلى ما عند الله فيقبل عليه بالطاعات ويوظف ماله في مرضاة الله لنيل ما عند الله من النعيم المقيم .
إن حرية التملك التي أقرها الإسلام للأفراد لا تهيئ لهم البذل والعطاء للانعتاق من ذل القيود الأرضية فحسب ، بل تهيئ لهم الإنفاق في المباحات وتوفير المال وتثميره في ظل الشريعة الغراء ، ولهذه الحرية منافع جمة ، يقول سيد قطب: وتقرير حق الملكية الفردية يحقق العدالة بين الجهد والجزاء فوق مسايرته للفطرة واتفاقه مع الميول الأصلية في النفس البشرية ، تلك الميول التي يحسب الإسلام حسابها في إقامة نظام المجتمع وفي الوقت ذاته يتفق مع مصلحة الجماعة بإغراء الفرد على بذل أقصى جهد في طوقه لتنمية الحياة ، فوق ما يحقق من العزة والكرامة والاستقلال ونمو الشخصية للأفراد بحيث يصلحون أن يكونوا أمناء على هذا الدين ، يقفون في وجه المنكر ويحاسبون الحاكم وينصحونه دون خوف من انقطاع أرزاقهم لو كانت في يديه (1) .
فمما تسعى إليه التربية الإسلامية أن يكون التوافق كبيرا بين فطرة الإنسان والحرية الملكية التي أبيحت له .
والفرد المسلم المنتمي إلى الجماعة المسلمة لا يرضى لنفسه أن تتنعم بالمال ولا تتذكر إخوانها من حولها فتبادر إلى المساهمة في بناء المجتمع من خلال هذا المال فيشعر في قرارة نفسه أنه قدم شيئا للإسلام والمسلمين .
ويتعجب المرء حين يسمع عن الجمعيات المنحرفة والمؤسسات الضالة التي يسخو أصحابها سخاء لا تعرفه الجمعيات والهيئات الإسلامية ، بل وينظمون أمورها تنظيما ينتج الشر الكبير ويثمر الفتنة العارمة التي لا يشقى بويلاتها إلا الملتزمين بشرائع الإسلام (2) .
نموذج فريد لتطبيق الحرية الملكية: