فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 1037

وإذا أردنا مثالا لنفس حررت ذاتها من قيود المال وكانت تطبيقا عمليا لتلك الآيات فلننظر إلى شخصية الحبيب صلى الله عليه وسلم وسيرته القولية والعملية فإنها صورة مقتبسة من القرآن الكريم ، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله وكان لا يسأله أحد شيئا إلا أعطاه قليلا كان أو كثيرا وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذ وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة ، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بالهدية ، وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل ببعير جابر ، وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن ، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بحاله وقوله فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى ، وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر وإن ضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها وشرح صدره حسا وإخراج حظه منه. (1)

واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ينطلق المسلم من ذاته لفك القيود التي تربطه بالأرض وليرتفع إلى الملكوت الأعلى في السماء ، ويحصل له ذلك بالبذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله بسخاء ، فإن في ذلك حياة المجتمع وتضامن أفراده وثبات بنيانه كما أن فيه تربية للإيمان بالاعتماد على الله والتوكل عليه وفيه تربية للنفوس وتمحيصها من أدرانها .

رابعا: الحرية العلمية

لم يلزم الإسلام جميع أفراده بالاتجاه إلى علم معين ، وترك هذا الأمر مطلقا حسب رغبة كل فرد وميوله وأهوائه ، بل إن مقتضى الحال يدعو إلى أن يكون للمسلمين باع في كل علم من العلوم المفيدة وأن يكون لدى جماعة المسلمين الخبراء والمختصون في مختلف المجالات لكي يكونوا في قوة ومنعة ويستغنوا بإمكانيتهم عن الأعداء ، قال تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [ النساء: 83 ] .

فوجود الهيئات المتخصصة والعلماء البارعين في مختلف المجالات النافعة أمر هيأته الشريعة ويسرت سبله عن طريق حرية العلم للأفراد ، يقول أحد التربويين المعاصرين: وحين تتعقد المواقف والمشكلات ـ خاصة تلك التي تتعلق بأمور السلم أو أمور الحرب والأخطار ـ وتحتاج إلى درجات عالية من القدرات والخبرات العميقة ومناهج التفكير الحكيم فإن القرآن يوجه إلى وجوب إقامة هيئة متخصصة في دراسة هذا النوع من المواقف والمشكلات (1) .

وقد كانت حرية العلم واضحة في حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ورضي الله عنهم أجمعين ـ فمنهم العالم بالقرآن والعالم بسنة المصطفى عليه السلام واللغوي والشاعر والقاضي ومنهم القائد المحنك الخبير بفنون الحرب والتاجر المتمرس بالتجارة والعالم بالفرائض والعالم بالحلال والحرام ، وورد في سيرة المصطفى القولية والفعلية ما يدل على تشجيعه وإقراره لكل منهم على المجال الذي برع فيه أو العلم الذي اختاره ، من ذلك ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدها في دين الله عمر وأصدقها حياء عثمان وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأقرؤها لكتاب الله أبي ، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت ، ولكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح . [ أحمد: 3/184 وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 908]

وروى البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت: اهج المشركين فإن جبريل معك . [ أحمد: 4/286 وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2519 ]

وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه . [ رواه أبو يعلى في مسنده ، نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 1154 ] والآثار في ذلك كثيرة .

إن الحرية العلمية في التربية الإسلامية تفتح الباب على مصراعيه لتتنوع الخبرات وتتعدد التخصصات ، ورغم كثرتها وتنوعها ، إلا أنها كلها تصب في منبع واحد هو تحقيق الاكتفاء الذاتي للمجتمع وذلك بتكاتف أفراده وتعاونهم .

وتسعى التربية الإسلامية لهذا الهدف بتوظيف الطاقات ، فالجميع يعمل ويبني ويساهم كل من موقعه وكل حسب طاقته وكل حسب ميوله العلمية ورغباته الفكرية أو قدراته المهنية ، ومن المفترض ألا يوجد بين المسلمين من لا ينفع في أي أمر من الأمور ، وما دام الفرد المسلم عاملا فهو يضع لبنة في البناء ، وهو بذلك له جهده ومساهمته التي لا يستغنى عنها ، وشعور المرء بحرية العلم يجعله لا ينتقص أي جهد يقدمه ولو كان يسيرا ، بل على العكس من ذلك فإن هذا يدفعه إلى أن يبدع في مجاله ويسد الثغرة التي هو عليها حتى لا يؤتي المجتمع المسلم من قبله وحتى لا يصبح هو نفسه عالة على غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت