فهرس الكتاب
لقد ذم الله قوما انصرفوا بالكلية عن العلم الأخروي إلى علوم هذه الدنيا الفانية ، اهتم الفرد منهم بصلاح دنياه وأمر معاشه وزيادة أمواله متجاهلا دينه الذي هو عصمة أمره وبه فلاحه ونجاحه . قال تعالى: { وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون * أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } [ الروم: 6-8 ]
وقال الحسن في وصف هؤلاء: يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم ، ولقد بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلي (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم في أمثال هؤلاء: إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق ، جيفة بالليل حمار بالنهار ، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة . [ رواه البيهقي في السنن نقلا عن الألباني في صحيح الجامع برقم 1874 ]
ما أشد انطباق الوصف في هذا الحديث على حال كثير من شباب المسلمين وشيبهم ، رجالا ونساء في العصر الحاضر ، فربما يتقن المهندس عمله ويبدع الصانع في مصنعه ويربح التاجر في سوقه أو يخلص الأستاذ في تدريسه واستيعاب مادته ، وكل واحد من أصحاب المهن والوظائف يقضي الساعات الطوال ليقوم بتبعات تلك المهنة أو الوظيفة وما يتعلق بها ومع ذلك لا تجده يفرغ ساعة من وقته في الأسبوع أو في الشهر لتعلم أمور دينه إما في بيته مع أهله وأولاده وإما في المسجد القريب من سكنه مع جيرانه أو بأي طريقة من الطرق ، ويرى الباحث أن هذا الإعراض مما ابتلي به المسلمون حتى المثقفين منهم ، وقد عد العلماء من نواقض الإسلام التي تخرج صاحبها من الإسلام ، الإعراض عن دين الله تعلما وعملا (2) .
إذا فالأمر جد خطير وعلى الفرد المسلم أن يكون له من العلم الشرعي نصيبب ، وينبغي على كل مكلف تعلم أصول الدين وما هو معلوم من الدين بالضرورة من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والمداومة على ذلك من المهد إلى اللحد وخاصة فيما تمس إليه حاجة الفرد نفسه ، فالتاجر يتفقه شرعيا في أنواع البيوع والقاضي يتعلم أحكام القضاء والحكم وقل مثل ذلك للسياسي والمعلم والطبيب والمهندس وهلم جرا ، وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عما يجب على المكلف اعتقاده وما الذي يجب عليه علمه فقال: أما الإجمال فيجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما أمر به الرسول ونهى بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به فلابد من تصديقه فيما أخبر والانقياد له فيما أمر ، ... ، وأما الذي يجب عليه علمه فهذا يتنوع فإنه يجب على كل مكلف أن يعلم ما أمر الله فيعلم ما أمر بالإيمان به وما أمر بعلمه بحيث لو كان له ما تجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة ، ولو كان له ما يحج به لوجب عليه تعلم الحج وكذا أمثال ذلك ، ويجب على عموم الأمة علم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث لا يضيع من العلم الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته شيء وهو ما دل عليه الكتاب والسنة لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين على الكفاية إذا قامت به طائفة سقط من الباقين .
وأما العلم المرغب فيه جملة فهو العلم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته لكي يرغب كل شخص في العلم الذي هو إليه أحوج وهو له أنفع وهذا يتنوع ، فرغبة عموم الناس في معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم ، وكل شخص منهم يرغب في كل ما يحتاج إليه من ذلك ، ومن وقعت في قلبه شبهة فقد تكون رغبته في ما ينافيها أنفع من غير ذلك (1)
وبناء على ما قرره شيخ الإسلام فلا يحق لأي فرد أن يتهاون في طلب العلم الشرعي والحرص عليه وخاصة في مثل هذه الأيام التي بعد الناس فيها عن العلماء ومجالسهم وانشغلوا بملذات الحياة وشهواتها ، كما أن مناهج ومقررات التربية والتعليم ليست كافية ومؤدية للدور المطلوب منها في ظل مستجدات الحياة
والباحث لا ينكر الدور الذي تؤديه بعض المؤسسات التعليمية ولكن الحق أنه ما يزال يعتريها النقص والقصور ، وليس أدل على ذلك من أن كثيرا من مسائل الصلاة التي يؤديها كل مسلم خمس مرات على الأقل كل يوم تغيب عن أذهان خريجي المدارس والجامعات فضلا عن غير المتعلمين ، وتجد بعض أصحاب الشهادات العليا لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة ولا يدري أن من اعتنق غير الإسلام دينا فهو من الخالدين المخلدين في نار جهنم ، وقل مثل ذلك عن الجهل بحقوق الجيران والأقارب وأمور البيع والشراء التي تهم كل مكلف ولا يعذر بالجهل فيه أحد إلا بعذر شرعي ، وقد يقول قائل أن هذه الأمور يعذر بالجهل بها فنرد عليه بأن العلماء قي القديم والحديث ناقشوا هذه المسالة وأوسعوها بحثا ، ولأن المجال ليس مناسبا لسردها فتراجع في مظانها ، ولكن لا بأس أن نشير إلى رسالة بعنوان: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ، تقدم بها الشيخ صالح بن حميد لنيل درجة الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة أم القرى ، حيث استعرض فضيلته ما ذكره العلماء في حكم الجهل بما يعذر فيه وما لا يعذر فيه ، ثم استخلص الأمور التالية (1) :
أ ـ الجهل بأصول الدين أي أمور التوحيد والعقائد لا يعتبر عذرا بأي حال كما لا يقبل الادعاء به
ب ـ الجهل بضروريات الدين من صلاة وزكاة وصيام وحج غير مقبول أبدا ، ويدخل في ذلك بعض الأركان والشروط والواجبات لبعض العبادات لأن المسلم المكلف مهما قلت درجته العلمية مطالب بالإتيان بها في أوقاتها وعلى صفتها الشرعية ، وكذلك المحرمات المشهورة لدى عامة المسلمين كقتل النفس والخمر والربا والزنا