فهرس الكتاب
وإنما يزيد هذه المسئولية خطورة وأهمية قوله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة [ مسلم: 1/125 ] وفي رواية: ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة [البخاري: 4 /331 ]
وفي رواية لمسلم: ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة [ أبو داود: 3 / 356 ]
وقال أيضا عليه السلام: من ولاه الله عز وجل شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره [ أبو داود:3 /356 ]
ألا فليتفكر في هذه النصوص كل المربين والعلماء والحكام وغيرهم من الرعاة فإن التبعة كبيرة والحساب عسير . صحيح أن الجزاء يوم القيامة ولكن لا يغيب عن البال أن المسئولية تبدأ من الحياة الدنيا دار العمل والكسب ، فهل أدى كل فرد ما يترتب عليه من واجبات تجاه الأمانة التي كلف بها ، إن إجابة أي فرد لنفسه عن هذا السؤال تتطلب التجرد والنزاهة ، فلا داعي لجلب الأعذار وتبرير الأخطاء أو انتحال المغالطات النفسية والحيل اللاشعورية ، فاليوم دار عمل ولا حساب وغدا دار حساب ولا عمل
إن شعور الفرد بهذه المسئولية يدفعه للعمل بدون توان ولا ملل ويراعى في هذه المسئولية هل حفظ الأمانة كما ينبغي أم ضيع وفرط ، وإن أولى الناس بالمحاسبة والمراقبة نفسه التي بين جنبيه فيراجعها الفينة بعد الأخرى ويسائلها قبل أن تسأل
كما أن مسئولية الفرد عمن يعول يشعره بالتبعة الشاقة فيتعاهدها بالرعاية والعناية ويراقب الله في هذه الأمانة عملا بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد } [ التحريم:6 ]
ثانيا: الجزاء
وبنهاية هذه الحياة الدنيا تأتي فترة البرزخ وهي الفترة التي يقضيها الإنسان بعد مماته في القبر وقبل يوم الحشر ، قال تعالى: { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } [ آل عمران: 185 ]
وقال أيضا: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } [ النساء: 78 ]
يعتقد المسلم اعتقادا جازما أن الموت باب وكل الناس داخله ، والبرزخ دار كل الناس سيزورها وسيقضي فيها فترة الله أعلم بها ، ثم يكون المحشر للسؤال عن الأعمال وللفصل بين العباد . وفي البرزخ يحيا الفرد حياة الله أعلم بها ، لا أب ولا أم ولا أصحاب ولا أتباع ولا خدم ولا حشم ، تكون مساءلة ويكون حساب .
قال تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } [ إبراهيم: 27 ] .
روى أبو جعفر النحاس - رحمه الله - في معنى هذه الآية فقال: قال البراء بن عازب وأبو هريرة: هذا عند المساءلة إذا صار في القبر (1)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل . [ أبو داود: 3/550 ]
وعن البراء - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . [ البخاري: 3/247 ] .
كما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا . وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال له: لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين . [ البخاري: 1/422 ] .
إن المسئولية في البرزخ أمر لازم ولا مفر منها لأحد ، ومحصلة هذه المسئولية إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار . يقول القرطبي (1) : الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب ، والتصديق به لازم حسب ما أخبر به الصادق ، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسأل عنه ما يجيب به ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان . وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار ، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة .
وينبغي الإكثار من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات . [ الترمذي: 4/479 ] .
إن من يتذكر ذلك البيت المظلم بيت الوحشة والدود لن تصرفه هذه الدنيا بملذاتها عن العمل والاستعداد للسؤال في ذلك المكان المقفر ، وسوف يراقب نفسه في كل حين ، ورحم الله عمر بن عبد العزيز الذي كان يتمثل بأبيات لابن عبد الأعلى حيث ينشد قائلا (2) :
من كان حين تصيب الشمس جبهته
ويألف الظل كي تبقى بشاشته
في قعر مظلمة غبراء مقفرة
تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس
وسابقي بغتة الآجال وانكمشي
لا تكدي لمن يبقى وتفتقري
أو الغبار يخاف الشين والشعثا
فسوف يسكن يوما راغما جدثا
يطيل تحت الثرى في قعرها اللبثا
قبل الردى لم تخلقي عبثا
قبل اللزوم فلا منجا ولا غوثا
إن الردى وارث الباقى وما ورثا