فهرس الكتاب
وإذا تقرر ما ذكر عن الجزاء والحساب يوم القيامة يتضح جليا أن الجزاء من جنس العمل وهذا هو غاية العدل من رب العباد ، قال تعالى: { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ } [ الأنعام: 104 ] .
وقال: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } [ فصلت: 46 ] وقال: { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى } [ النازعات: 37-41 ] وقال: { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة } [ عبس: 37-43 ] .
إن الفرد الذي ينتظر جزاء ما قدمت يداه من خير ويخشى سوء ما اقترفت من شر لن يكون في تصرفاته وسلوكه مثل من لا يعتقد ذلك ، ولذا تراه يراقب الله في كل حين ويسوق نفسه سوقا لنيل مرضاة الله وفكاكها من عقابه .
أخيرا لا يعد من المبالغة إذا اعتبر الباحث مبدأ المسئولية أهم مبادئ التربية الذاتية التي تتحكم في تصرفات الإنسان المسلم . كيف لا وهي تبدأ معه في هذه الحياة ثم تلازمه في قبره وينتهي به المطاف معها يوم يقوم الناس لرب العالمين حيث يلاقي العبد نتيجة تحمله إياها . وهي فرصة واحدة فقط لا يعطى عبد غيرها ولا يعوض عنها . فإن أحسن العمل فهنيئا له بجنة عرضها كعرض السماء والأرض وإن أساء استخدام تلك المسئولية فمصيره إلى بارئه يجازيه بما يستحق أو يفعل سبحانه ما يشاء . والأمر لله من قبل ومن بعد .
المبحث الثالث
الاهتمام بالغير
مقدمة
تتعلق التربية الذاتية كما ذكرنا سابقا بأن يهتم الفرد بنفسه لتربيتها وتزكيتها ، ويتم ذلك بجهوده الذاتية دون انتظار المعونة أو التوجيه من أحد ، وقد يفهم من هذا ألا يلتفت المرء إلى غيره بحجة ألا يشغله ذلك عن تربية نفسه ، ولكن الحقيقة أن الاهتمام بالآخرين عنصر أساسي من عناصر التربية الذاتية .
ويقصد الباحث بمبدأ الاهتمام بالغير أي الاجتماع بالناس ومخالطتهم ونفعهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونشر الخير بينهم .
إن الفرد الذي يعيش لنفسه ولا يهتم بغيره يعيش صغيرا ويموت صغيرا ويندم كثيرا ، ولا يستطيع الفرد السوي إلا أن يكون مختلطا بمن حوله ، فإن من أخص خصائص الإنسان أن ينتمي إلى وسط ما يشعر بمشاعره ويحس بأحاسيسه ، ويتحول هذا الوسط في التربية الإسلامية إلى ما يسمى بالأخوة الإسلامية التي تقوم على الحب في الله ، وهذه الأخوة لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع ومن حيز الادعاء إلى حيز التطبيق إلا من خلال المساعدة والمساندة والاهتمام والسعي وقضاء الحوائج للآخرين . ويكفي من يقوم بذلك رضا وسرورا علمه أن من ينفع غيره من العباد فهو محبوب عند الله عز وجل مما يشعره بالقرب منه والاتصال به .
قال صلى الله عليه وسلم: أحب العباد إلى الله أنفعهم لعياله [ حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 170 ] . فالخلق كلهم عالة على الله وفي حاجة إليه ، وخير هؤلاء من يقدم النفع لهم .
والتعامل مع النفوس البشرية المختلفة يقتضي سعة الصدر وسماحة الطبع واليسر والتيسير في غير تهاون ولا تفريط في دين الله ، وكل هذا مما يعود أثره على ذات المسلم فتزداد صقلا وتزداد تربية وتزكية (1)
وخدمة الآخرين يكسب الفرد صفات أخلاقية عدة منها: الصبر والتضحية والبذل والتعاون وغير ذلك من الأخلاق الإسلامية الحميدة التي تشع نورا وبهاء من النفس المتحلية بها .
وعندما يأمر الفرد بالمعروف وينهى عن المنكر يزداد ثباتا على المبادئ التي يعتنقها ويكون أول الفاعلين لها والمتمسكين بها ، فهذه العبادة هي أولا إصلاح للذات قبل أن تكون إصلاحا للغير ، وحري بكل مسلم أن يحرص عليها ليربي ذاته ويزكي نفسه .
وسيقتصر هذا المبحث على تقرير الاهتمام بالغير كمبدأ من مبادئ التربية الذاتية في التربية الإسلامية من خلال ثلاثة عناصر هي:
1ـ تنفيذ التكليف الرباني .
2ـ النجاة من العذاب .
3ـ التشوق للأجر العظيم .
أولا: تنفيذ التكليف الرباني
يستطيع المتدبر لكتاب الله أن يدرك معنى التكليف الرباني لكل فرد بالاهتمام بالآخرين في مواضع كثيرة من كتاب الله وخاصة في الآيات التي تخاطب جماعة المؤمنين .
نلاحظ أولا أن جميع أنبياء الله قد أرسلوا للاهتمام بأقوامهم وانتشالهم من عبودية الأرباب إلى عبودية رب الأرباب . قال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } [ الحديد: 25 ] . وقال تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } [ النحل: 43 ] .
وقال تعالى مخاطبا رسوله الكريم: { وأنذر عشيرتك الأقربين } [ الشعراء: 214 ] وجاء الخطاب في ذلك صريحا لنبينا محمد عليه السلام قائلا: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } [ الكهف: 28-30 ] . وهذا مثل قوله تعالى: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون * ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } [ الأنعام: 51 ، 52 ] .