فهرس الكتاب
قال الزجاج - رحمه الله - (1) : إنما ذكر الذين يخافون الحشر دون غيرهم وإن كان منذرا لجميع الخلق لأن الحجة على الخائفين الحشر أظهر لاعترافهم بالمعاد فهم أحد رجلين: إما مسلم فينذر ليؤدي حق الله عليه في إسلامه وإما كتابي فأهل الكتاب مجمعون على البعث .
وفي آية سورة الأنعام روى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: نزلت هذه الآية في ستة: في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال . قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء فاطردهم عنك ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل فنزلت هذه الآية . [ ابن ماجة: 2/1383 ] .
فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير الرسل أجمعين قد كلفه ربه بتصبير نفسه مع تلك الثلة من ضعفاء المؤمنين وفقرائهم ، وهذا يعني الاهتمام بشئونهم وقضاياهم وما يواجهونه من مصاعب ومشكلات ., وكانت الجارية تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذهب به حيث شاءت ، والأمثلة من السيرة في هذا الباب كثيرة جدا .
وآيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام تبين أن التكليف الرباني ليس خاصا بنبينا صلى الله عليه وسلم بل إن الأمة جمعاء مكلفة بإعداد أفراد يتصدون لهذه المهمة ، هذا مع وجوب أن يقوم كل فرد بدوره حسب استطاعته وقدرته .
قال تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } [ آل عمران: 104 ]
يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي غفر الله لنا وله (2) فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم أو وجه الخصوص أو قام بنصيحة عامة أو خاصة فإنه داخل في هذه الآية الكريمة .
ويوافق الباحث العلامة ابن سعدي فيما ذهب إليه ، وهذا يعني أيضا أن يدخل في هذه الآية الكريمة كل الآباء والأمهات والمعلمون والمرشدون والعلماء والأمراء وغيرهم ، أي جميع أفراد المجتمع كل حسب قدرته .
قال ابن كثير - رحمه الله - (1) : والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه .
ويدل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع بقلبه وذلك أضعف الإيمان . [ مسلم: 1/69 ] . وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل . [ مسلم: 1/70 ] .
وبالتمعن في مفهوم الآية والحديث يتبين لنا أمران هما:
1ـ أن المفلح هو من يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أي يهتم بشئون غيره وليس مقتصرا على نفسه فقط .
2ـ أن هناك علاقة مطردة بين زيادة الإيمان وتنميته وبين الشعور بواجب إصلاح الخطأ ليعم الصواب ويندثر المنكر . وبعبارة أخرى: فكلما ربى الإنسان نفسه كلما أداه ذلك إلى الاهتمام بغيره .
وبما أن كل مسلم مكلف من قبل خالقه بأن يكون من المفلحين ، وبالجمع بين الآية والحديث يستنتج الباحث أن الاهتمام بالغير واجب شرعي في عنق كل مسلم بالإضافة إلى أنه مبدأ رئيس في التربية الذاتية . ومما يدعم هذا القول ويسنده قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } [ التحريم: 6 ] . وقوله صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته [ سبق تخريجه ] . وبما أن كل فرد مخاطب بهذا التكليف فإن الواجب عليه الانصياع له وتنفيذ هذه الطاعة الربانية التي تقربه من الله ومرضاته .
ثانيا: النجاة من العذاب
مر معنا في الفصل الأول أن مصير الإنسان إما جنة أو نار ، والفرد المسلم يرجو رحمة ربه والفوز بجنته ويخشى عذابه والتلظي بناره . قال تعالى: { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } [ آل عمران: 185 ] . فالفوز الحقيقي هو أن ينجو العبد من عذاب الله ويدخل الجنة ، والاهتمام بالغير سبيل من السبل المؤدية إلى هذا الفوز ، بينما التفريط في هذا الجانب يؤدي بالفرد والمجتمع إلى الهلاك والدمار . قال تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } [ الأنفال: 25 ] . قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب . (1)
وحذر سبحانه من فعل أقوام سابقة تهاونوا في هذا الأمر فأنزل عليهم سخطه وعقابه . قال تعالى { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } [ المائدة: 78 ، 79 ]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم } إلى قوله { فاسقون } ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصر . وزاد في رواية: أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم . [ أبو داود: 4/508 ]