فهرس الكتاب
وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم . الترمذي: 4/406 ] .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى ليقول: فما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره ، فإذا لقن الله عبدا حجته قال: أي رب وثقت بك وفرقت من الناس . [ ابن ماجة: 2/1322 . وجود الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 929 ] وإذا قام كل فرد بواجبه في إصلاح نفسه وفعل الخير والدعوة إليه فإنه لا يضره فساد من فسد وضياع من ضاع وإن كان أقرب الأقربين .
قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون } [ المائدة: 105 ] وليس في هذه الآية دعوة إلى ترك الاهتمام بالغير وإنما هي إخبار عن حال الإنسان إذا فسد المجتمع من حوله وذلك بأن يثبت على فعل ما أمره الله به وترك ما نهى عنه مع القيام بواجبه في الإصلاح قدر الطاقة . كان هذا هو الفهم الذي أوتيه صديق هذه الأمة حين قام فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه . [ ابن ماجة: 2/1326 ] .
ثم إن في القيام بواجب الاهتمام بالغير والنصح لهم إعذارا إلى الله سبحانه وتعالى الذي سيسأل كل امرئ عما عمل فيما علم وهل أدى ما عليه من النصح والاهتمام أم أنه فرط في ذلك .
قال تعالى: { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } [ الأعراف: 164: 166 ] . فبين الله تعالى نجاة الذين بذلوا النصح وسكت عن الذين تراخوا عن هذا الواجب لأن الجزاء من جنس العمل .
ثالثا: التشوق للأجر العظيم
ما من شك في أن الطريق الذي سلكه الأنبياء والرسل يوصل إلى مرضاة الله وجنته فأولئك الذين هدى الله وبهداهم يقتدي كل السائرين إلى مرضاة الله رب العالمين . وقد كان مما هداهم إليه أن هداهم إلى مهمة عظيمة وهي دعوة الخلق لتوحيد المنهج والغاية ، أي الإيمان بالله وحده لا شريك له والكفر بالطواغيت بأنواعها . قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [ النحل: 36 ] وإنه لشرف جد عظيم أن يشترك فرد من الأمة مع أنبياء الله ورسله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال: إنني من المسلمين } [ فصلت: 33 ] . فليس هناك أحد أفضل ممن أصلح نفسه واهتم بغيره لنشر الهدى والخير والصلاح ، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: من دل على خير فله مثل أجر فاعله . [ مسلم: 3/1506 ] وقال صلى الله عليه وسلم: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم . [ ابن ماجة: 2/1338 ] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من دل إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئا . [ مسلم: 4/2061 ] .
وهناك الكثير من الأحاديث التي ترتب الجزاء العظيم من الله وذلك لمن يحسن إلى غيره أو يسدي إليه معروفا . كما أن فيها بيانا لأبواب الخير وطرق خدمة الآخرين . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - شهرا . ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام ، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل . [ رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج ، والطبراني في الكبير نقلا عن الألباني في صحيح الجامع برقم 147 ، وسلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 906 ] .
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه . من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة . [ البخاري: 2/190 ] .